حيواتٌ على الطرق

جدة، الكورنيش

نهاية كل طريق في حياتنا، هي المغزى من بداية كل طريق. ألم يتبادر يومًا إلى أذهاننا كم هو مهمٌ هذا الذي يسمى بالطريق في حياتنا؟. وهل هنالك حياة لا تتمحور حول الطريق؟. ذلك الذي يتشعب كلما بحثنا عنه كثيرًا، لنجد المعنوية منه، كالطريق إلى الحلم، الشهادة، الترقية، البحث عن مغزى، الحب. والمادية المتشعبة جدًا منه، كالطرق في الهِجر التي تكاد تكون مهجورة، بيد أنّها مليئة بحكايات من عبروها، وهنالك المدن وطرقها التي تكاد تكون حلقة وصل إلى الأعمال، وقد تكون أقرب للنفس؛ لشدة التكرار صباح مساء.

الطريق إلى منزلي

ما بين أعمالنا والمنازل، حكاية بل حكايات لا تكاد تتكرر كل يوم؛ إذ أنّ للأيام قصص مختلفة، وعناوين متعددة. تارةً تستلم الطريق وأنت مبتهجٌ بسبب استيقاظك المبكر واستماعك لفنانك المفضل، وتارة تعكر ازدحامات الطرق صفو صباحك، وأخرى في إجازات الإسبوع، ليس هناك سواك أنت والطريق. الذي يشدني في هذه اللحظات، هي علاقتي مع الطريق، ومعرفتي لأماكن الكاميرات، وتلك النخيل التي أشاهدها، واللوحة التي تجاوزت عمري وهي هناك، ومصادفة تلك الشاحنات في ذات الوقت. والكثير من الحيوات والحكايات على ذات الطريق.

الطُرق والسينما

ما بين المعنوية والمادية في الطرقات، لم تتوانى السينما عن الاهتمام بالطرق والرحلات منذ بزوغها.

في فيلم الكتاب الأخضر(Green Book) يتم تعيين حارس إيطالي تم استئجاره ليعمل سائقا للدكتور وعازف البيانو الشهير د. دون شيرلي. الكتاب الأخضر الذي يستمد الفيلم اسمه منه هو كتاب حقيقي كان منتشرا في الولايات المتحدة في الفترة بين ثلاثينيات القرن الماضي وأواسط الستينيات، وكان لا غنى عنه بالنسبة لأي مسافر أميركي أسود في تلك الفترة؛ فقد تضمن قائمة بكل الأماكن التي تسمح باستقبال السود وتعاملهم بشكل طيب، وذلك حتى لا يجد أي أسود نفسه يقع فريسة لمكان عنصري تتراوح فيه الإهانة من الضرب والامتهان وحتى القتل في بعض الأحيان.”

وقد شاهدنا مؤخرا الفيلم الذي أحدث ضجة في السينما I’m thinking of ending things وكيف أنّ عمق التساؤلات للأنفس والأسئلة ما بين الطرفين قد ساهمت في تكوين صورة مهيبة مع تساقط الثلوج في خضمّ تلك الرحلة. وفي عملٍ سينمائي آخر Thelma and Louise يتشح الطريق بالهروب، وهو الحلقة المصيرية لسيدتين لاذا بالفرار إلى المكسيك بعد أن أطلقت إحداهم النار على أحد أفراد الشرطة. هناك من الأفلام التي تترك أثرًا فيك؛ لأنها لاءمت شيئا في حياتك، أو في واقعك. مثلما حدث في فيلم Nebraska 2013. عن رجل وابنه يقرران السفر لاستلام جائزة في نبراسكا، ويجريان الكثير من الحوارات ويحدث بينهما الكثير من المواقف التي تعزز علاقتهما.

وأخيرا في الأغنيات والشعر والوصول للأحبة، لابد أن يكون الطريق شاهدا على رحلاتك.

كتّاب لجأوا للطبيعة

لا شك أن الإنسان ينأى بنفسه، أو تنأى به كلّما احتدمت بالزحام، ولو كان الزحام معنويا لا ماديا.

نص منقول من منصة أثارة

نيتشه

“قضى الفيلسوف فريدريك نيتشه سبعة فصول صيف – في عام ١٨٨١ ومرة أخرى بين عامي ١٨٨٣ و١٨٨٨- في قرية جبال الألب العالية سيلس ماريا في الزاوية الجنوبية الشرقية من سويسرا، حيث استأجر غرفة في مزرعة متواضعة -بعيداً عن المُدن المزدحمة والعواطف الحضرية المضطربة التي كان يخشاها- وكَتب بعضاً من أشهر أعماله: هكذا تكلم زرادشت، والعلم المرح، وأفول الأصنام.

 كان يستيقظ في وقت مبكر جداً، ويكتب إلى بعد الظهر، وبعدها يخرج من ساعتين إلى ثلاث ساعات يتمشى -حيث كان على دراية بالمَمْشى الجبليّ الرّمادي الذي تعيش فيه جماعة معروفة باسم برونافيه، وعثر على مجموعات منهم في معظم المراعي، ووقع نيتشه في حبهم.

 كان مفتوناً بصبرهم وحكمتهم في الحياة التي غالباً ما تكون أقل مثالية، لم يُظْهِروا أيّ نفاد صبر أو غضب، لا يبدو أنّهم يعانون من الحسد أو الندم على الفرص الضائعة، وبدا أنّهم لا يملكون خططاً للانتقام أو الخوف من المستقبل، لقد تصرفوا بهدوء في المطر وتحت أشعّة الشمس، عندما يهبط الرذاذ على أنوفهم وتُغنّي أجراسهم الثقيلة في رقابهم.

 شعر نيتشه أنّهم وصلوا إلى حالة الهدوء والتوازن التي كانت هدفَ كلّ فلسفة الرواقيّين القدماء، وهي إطار ذهني يعرفه الإغريق باسم الـ “طمأنينة”.  ربما لم يقرؤوا الكثير من كتب زينون أو سينيكا، لكنهم كانوا فلاسفة بحق، لقد أعطاهم نيتشه دوراً مركزيّاً في فلسفته الخاصة في كتابه: هكذا تكلم زرادشت، حيث قال: “ما لم نتغير (أو نتحول) ونصبح أبقاراً فلن ندخل أبداً مملكة السماء”.

هنري ديفيد ثورو

يقول ثورو عن عدم زواجه: “إنّ الطبيعة كلها عروسي.” عندما نادى ثورو بمعاملة الطبيعة والكائنات الأخرى معاملة أخلاقية، اتهمته الجماعات المسيحية بالكفر.

عن مقال سابق بعنوان “على خطى ثورو” 2012

كان هنري ديفيد ثورو عالم طبيعة وفيلسوفاً ومؤلفاً شهيراً، أقام في شرق ولاية مساتشوستس الأميركية من 1817 الى 1862. وكان أيضاً نصيراً رائداً  لإلغاء عبودية الزنوج وللعصيان المدني في وجه دولة غير عادلة. لكنه اشتهر أيضاً بأفكاره حول العيش البسيط الذي لا تنغصه التنمية المفرطة، في كتابه الشهير «والدن: الحياة في الغابات».
كعالم بالطبيعة، وضع ثورو سجلات لمواعيد إزهار عدد من النباتات الشائعة. والآن، بعد مضي 150 سنة، قام فريق من الباحثين في علم الأحياء من جامعة بوسطن بمقارنة سجلاته مع سجلات الإزهار حالياً. فوجدوا أن مواعيد إزهار 43 نوعاً شائعاً تقدم بمعدل سبعة أيام منذ زمن ثورو.
تبين للباحثين أن بعض النباتات القليلة الحظ، التي لم تكن قادرة على التكيف مع القدوم المبكر للربيع، اختفت عن هذه الأرض. فعلى سبيل المثال، كان هناك 21 نوعاً من الأوركيديا (السحلبيات) في كونكورد بولاية مساتشوستس في ستينات القرن التاسع عشر، لم يبق منها إلا ستة أنواع. وهم تفحصوا النباتات نفسها التي درسها ثورو، كما راجعوا سجلات عالم النبات ألفرد هوسمر الذي تتبع أيضاً خطوات ثورو في نهاية القرن العشرين.
يمكن للنباتات أن تتكيف مع تغير المناخ بطريقتين: فإما تعدل مجالاتها، فتنتقل شمـالاً إلى مناطق أبعد عن خط الاستواء أو إلى مرتفعات أعلى، وإما تبدّل توقيت الأحداث الموسمية مثل الإزهار والتورُّق. وقد وجد الباحثون أن 43 نوعاً شائعاً من النباتات كيفت توقيت نشاطاتها استجابة لارتفاع درجات الحرارة في منطقة كونكورد بمعدل درجة مئوية واحدة منذ زمن ثورو.
لقد وفرت سجلات ثورو لعلماء عصريين وسيلة لتتبع اتجاه تغير المناخ على المدى البعيد. وتتضح الاتجاهات البعيدة الأمد عادة من بيانات تعود للسنوات الثلاثين أو الخمسين الأخيرة. وللمرة الأولى، يمكن مقارنة البيانات الحالية ببيانات من منتصف القرن التاسع عشر.

يقول ثورو قاصدًا كتابه (والدن وحي الغابة) : عندما كتبت هذه الصفحات، أو الجزء الأكبر منها، كنت أعيش وحيدًا في الغابات. يبعد أقرب جار لي ميلًا عني. وكنت أعيش في بيت بنيته بنفسي في ماساتشوستس، وأحصل على لقمة عيشي بعرق جبيني. عشت هناك عامين وشهرين.”

المرة الأولى من كل شيء

غروب جدة

لحظات

اللحظة الأولى التي ذكر فيها والدي كلمة “البحر” بعد أيامٍ مثقلة تطلّبت إجازة قصيرة، لم يكن وقتها هنالك أي فكرة عن هذا الذي في الغيب. لم أكن أُدرك ما هذا الأمر، هل هو مخلوق، من صُنع الإنسان، مكانٌ يسمى بهذا الاسم؟. ليس هنالك أي دراية عن هذا الأمر سوى بعض المشاهد التي كنت أحدّق في صورةٍ مهيبة لكائنٍ أزرق، يتخلله ارتطاماتٌ شاهقة كالجبال، في التلفاز الذي كان مزارًا لهذا العالم في الصغر. لا شك أنّ البحر كان وما زال مصدرًا لإلهام الكثيرين في الحاضر كما في الماضي.

هرمان ملفيل والبحر

بحرٌ يزمجر، أمواجٌ تتكسر، وحيتان تقاوم عصبةً ضئيلة مقارنةً بتلك الأحجام والمخلوقات التي في هذا المحيط الواسع، الذي تدور حكايته في رواية موبي ديك للكاتب هرمان ملفيل 1851، الملحمة الأمريكية الشهيرة. لا شك أنّ القبطان أهاب لم يتوانى عن صيد الحيتان رغم فقدانه لقدمه في رحلة صيدٍ سابقة. وقد اشتهر ملفيل بحبه للبحر وكرّس وقته لكتابة أعماله حول هذا الأزرق. هنالك عملٌ آخر لملفيل بعنوان (البحار الوسيم بيلي بد). يحكي فيه عن حياة العمال والبحر وكل ما يخالج نفوسهم. نشرت بعد وفاته بثلاثة عقود.

هدير

لا شيء سوى رمزية همنغواي في الشيخ والبحر، لكنّها وإن كانت سوداوية، تتسم بإحدى الجُمل التي رسخت مع مرور الأيام، يقول فيها: “قد يُهزم الإنسان ولكنه لا يموت. وغدًا يومٌ آخر. والبحر في شعر محمود درويش لهٌ هديرٌ كما في الواقع. “للبحر مهنته القديمة، مدٌ وجزر.” ويقول في قصيدته (في حضرة الغياب) “فكيف يسجن البحر في أحرف ثلاثة، ثانيها طاف بالملح. كيف تتسع الحروف لكل هذه الكلمات؟ وكيف تتسع الكلمات لاحتضان العالم؟.”

والبحر مادة دسمة في الأدب سواءً نثرًا أو شعرًا، ولم يتجاوز الشعراء قديمًا، مثل المتنبي الذي يحذّر منه: “هو البحر غُص في إذا كان ساكنًا..على الدُّرّ واحذرهُ إذا كان مزْبِدا.” حتى أنّ الأمم السابقة لم تتوانى عن وضع إله للبحر عند الرومان الذين أسموه (نبتون).

في الأغنية

“يا بحر موجك علي عالي.” حتى الأغنيات لم تتجاوز وجود البحر فيها. فيروز وليلى مراد، وأبو نورة عندما ذكر “بحر الأماني، ماله موانئ.”

وأناشيد البحّاره والنواخذه، خير دليل على توطيد العلاقة مع البحر، أو اتقاء سكونه المريع في أعماقه.

وصول

اللحظة التي وصلت فيها لأول مرة في حياتي للبحر، لم يلبث في الذاكرة أي كلمة سوى هدير البحر وزرقته، رغم كل الكلمات التي تداولناها قبيل الغروب وحتى تلاشي الشمس.

ذكرى

بجانب نافذة العمل، وتحديدا في الدور الثامن، غفل عن عمله تماما؛ جرّاء ما شاهده على تلك الأرض التي رآها ومن عليها، يبدون صغارا كالنّمل. [وهذه عادة من ينظر للأمور من بعيد]. صبيةً يركضون تارةً ويلعبون الكرة تارةً أخرى. لا شيء سوى ذاكرة متدفقة وسط تلك المعمعة والأرقام، واللون البنّي الذي يملأ ذلك الجناح. ما هذه الذكرى التي تنتشل صاحبها بكل ما فيه من الزمكان!. “مثقلٌ بالذكريات وبالمكان” كما ذكر درويش، ولا شيء ليحقق في حياته توهّج تلك الأيام التي ما إن يسرح في خيالاته حتى يعود راكضًا للوراء. بيد أنّه حاول مؤخرًا أن يقتني موسوعة قرائية وأعمالا طِوال؛ لينتهج ذلك المثل الذي يُذكر فيه أنّ الحياة الأكثر إنشغالًا هي حياة سعيدة.

بعد يومٍ طويل في حياته جرّاء انغماسه في النصف الأول من يومه، الذي يقضيه في ثنايا عمله، وسابقًا في دراسته، وإن كان جدوله فارغًا، ما زال مؤمنًا بأنّ نصف اليوم الأول ليس له البتّه. ذكر نيتشه سابقًا أنّ “من لا يملك ثلثي يومه فهو عبد.” لكن ماذا لو كان شغوفًا محبًا لتلك الحياة التي وهِبت له، وماذا إذا كان قد لقي سعادته، وتحقيق ذاته في ذلك العمل، أو الجزء اليومي من حياته!. الكثير من المفاهيم بحاجةٍ إلى النقد مجددًا.

لكن هذا الشخص ما يزال دؤوبًا على هذا المنوال في حياته، متقوقعًا على ذاته، متسائلًا عن أمور وعادات حُقِن بها من مجتمعه وخصوصًا ذلك الصغير، محاوِلًا مواءمة نهاره؛ حتى يصل إلى ليله بسلام، في تلك الحياة المؤقتة التي اختار أن يكون فيها وحيدًا، وهي فعلا حياة مؤقتة رغمًا عنه وعن الآخرين الذين لا يدركون مرحلية كل مرحلة، وإن كانت أعوامًا أو عقدًا وربما أكثر. حياة ليست بتلك الوضوح، لكنها مليئة بما يرضي الفؤاد، ولو كان شيئا مؤقتًا.

يصدح صوتٌ أنثوي” كم ملأنا زورق الليل حنينا.” ويبدو أنّ هذا إيذانًا بولوج ليله، وتواري نهاره وما فيه، حتى أنّ لا يحب العودة لمسائل أنهره. إضاءة خافته، خياراتٌ عديدة في محيطه الضئيل، عدة أصدقاء لكنهم تيبّسوا على الرف، وإتصالات مهملة وكذلك العديد من الرسائل.

يدير التلفاز، يطفئ موسيقاه التي تصدح في منزله، أو بالأخرى غرفته التي يُرى من الخارج نورٌ خافت، ويتبادر للمارة في الوهلة الأولى أنّ صاحب الدار يستعد لمستقبله، أو يناجي ربّه. لكنهم لم يفكروا يومًا أنّ ليله لا يحكمه سوى الذكريات.

الذكرى عاملٌ مهم في إدارة ما يسمى بالزمن.

ثمّة آفاق

شروق لوس أنجلوس

قبل سنواتٍ طِوال، ذكر مؤلف رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” عبارة لا زالت تتردد أمامي، ولكثرة ذلك؛ حفظتها كالآخرين الذين يعيشون تلك الجملة التي أضحت شعارًا في حياتنا. “إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمّة آفاق كثيرة لابد أن تُزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كُتب كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجلّ العمر، سأكتب فيها جملًا واضحة بخطّ جريء.”

أنا والحياة

أريد من الحياة مثل إرادة المتنبي الذي ذكرها في قصيدته التي يملؤها الندم “بم التعلل”، وأريد أن أخلق من الكلمات مكوكًا لأبلغ الآماد، وأعيد للنفس رغباتها، وتلك الأجنحة. أريد من الغايات أعظمها ومن الرغبات أجلّها، أريد أن أطوّع الزمان؛ لأرضي هذه الروح التي دأبت على مخافة الحدود والأماكن الضيقة حتى باتت تنام في أعالي المنازل وفي ساحاته عوضًا عن مكانٍ ضئيل. أريد أن أقرأ الشِّعر في بلده، وأن أزور التاريخ وتراثه في متاحفه، وأريد أن أحلّق في سماواتي دون أن أتوارى عن بنادق الأقدار. أن أصرخ بما لا يعجبني، وما يخالف مبادئي، وأن أهجو مالا أحب، وأن أبلغ غايتي دون تردد أو حيرة. أريد أن أملك الحياة لا أن أحلم بها. أريد ما بعد الأحلام المكررة.

ما لا أريد

لا أريد أن أكون في المستقبل القريب رقمًا وظيفيًا، وإن كان حديث العقّاد قد شقّ رأسي كثيرًا عندنا ذكر أنّ الوظيفة ستكون رقّ القرن الواحد والعشرين، بيد أنّ هنالك ما يحييك وهنالك ما يُدفنك حتى تصبح آلة؛ لن تطول. لا أريد أن أحاصر في لغةٍ معينة حتى أصبح مفردةً واحدة أسمع صداها في حياتي، أريد التمرّد. لا أريد أن أكون محصورًا في مسميات مجتمعية مكررة بها أعيش سويًا وبدونها أنا شخصٌ مخالف، منبوذ. أريد أن أحلّق. لا أريد أن أخشى كل جديد بعد اليوم بسبب تلك الأُطر التي خُلقنا عليها، أريد أن أصهر وأذيب اللغة والواقع؛ لأشكل واقعي المختلف. لا أريد أن أخرج من جلباب أحد، أريد أن يكون لي جلبابي، عالمي، والغد المنتظر. لا أريد كل ما هو متعارفٌ عليه.

أريد أن أتجاوز التكرارية الواقعية؛ حتى لا أسخر من نفسي في النهاية.

صوت الأرض

لطلال مداح بقاء متوهج، حتى وإن غادر هذه المحطة. قلّما تجد فنان لديه ما لدى أبو عبدالله، حلو الشمائل، وجميل المعشر، ورقيق الإحساس؛ وبشهادة المستمعين، أعماله خير دليل، وبشهادة من حوله، كان رحيما، محبًا للخير دون أن يفصح للعالم عن ذلك. ويستوقفني طلال برقّته التي تحفّ الكلمات والأغنيات، وإن كانت ليست له؛ لكنّها لا تلائم سواه، ملحنًا غالبًا، ومغنيًا.

طلال والأمل

وإن كانت الأغنية ذات رتمٍ حزين، يفاجئك طلال بالأمل؛ حتى تعاود الابتسام بعد ذلك البثّ الذي خلّفه صوته. في الكوبليه الأخير من أغنية (أنا راجع أشوفك): “لقيتك لقيتك، زيّ ما تمنيت، من لهفة وحنين قاسيت”.

أيضًا نجده في بحثه عن الأمل في أغنية البدر(عندك أمل) التي يذكر فيها بأنّه لا فرح اكتمل، ولا جرح اندمل، وأتى باحثًا عن بقايا أمل بكل لهفة. ومن الأغاني التي رافقتني وما زالت كذلك، أغنيته التي تبعث على التجاوز، وتعين على تحمّل أعباء اللحظة. (الله يرد خطاك) التي يذكر فيها جملة ترددت في كل الأزمنة لشدّة مصداقيتها، يقول فيها: “دام الأمل موجود، فالنفس خضّاعه”. والأمل في صوت الأرض كثير جدًا، أمل وصوت رقيق.

طلال والصمت

في الثمانيات يقول صاحب الصوت الشجي، في أغنية (طال السكوت بيننا)، محاولا إيصال جملة واحدة تغني عن الكثير من الكلمات، كانت تكمُن في: “أحلى كلام قلناه، قالو السكوت عنّا”. والسكوت متواجد في أغنياته مثل النسيان والصمت والأمل، يقول” السكوت أرحم ولا شكوى لظالم”.

الغياب

من أغنية زمان الصمت صادحةً بكلمة “وترحل”، وعتَبه في رائعته عن طول الغياب: “ما تقول لنا صاحب، فينه زمان غايب”. عتاب بسبب الغياب الطويل دون مبرر.

طلال ظاهرة موسيقية توهج عند غنائه لأغنية” وردك يا زارع الورد”، في زمن مكتظ بالقصبجي وعبدالوهاب وغيره، وقد أطلق عليه الأخير لقب زرياب لجمال ما سمع من طلال.

طلال صوت الحياة، وعطني في ليل اليأس شمعة.

شيء خطير سيحدث. ماركيز

تخيّلوا قرية صغيرة جدا، تعيش فيها سيدة مسنة مع ابنين اثنين، واحد في السابعة عشرة، وابن أصغر منه، في الرابعة عشرة. هي الآن تقدم وجبة الفطور لابنيها ويلاحظان في وجهها ملامح قلق شديد. يسألها الابنان عمّا أصابها، فتجيبهما:
لا أدري، لكنني استيقظت بإحساس بأن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية.
يضحك منها الابنان ويقولان إنها هواجس عجوز.

يذهب الابن ليلعب البلياردو. وفي اللحظة التي يوشك على توجيه ضربة “كارامبولا” شديدة البساطة، يقول له الخصم:
أراهنك على ببيزو أنك لن تفلح. يضحك الجميع. ويضحك هو أيضا. ويوجه ضربة الكارامبولا ولا يفلح فيها. يدفع البيزو، ويسأله الحاضرون:
ما الذي حدث؟ لقد كانت كارامبولا سهلة جدا؟
يجيب:
صحيح، لكنني ما زلت قلقا من شيء قالته أمي هذا الصباح عن أمر خطير سيحدث في هذه القرية.
يضحك منه الجميع.

ويعود الذي كسب البيزو إلى بيته ويجد أمه ومعها ابنة عمّ أو حفيدة أو إحدى قريباته. يقول سعيدا بالبيزو:
كسبت هذا البيزو من داماسو بأسهل طريقة، لأنه أبله.
كيف عرفت أنه أبله؟
لأنه عجز عن تنفيذ ضربة كارامبولا سهلة جدا، لأنه مضطرب بسبب قلق استيقظت به أمه اليوم بإحساس بأن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية.
قالت له أمه:
لا تسخر من هواجس المسنّين، لأنها تتحقق أحيانا..

تسمع قريبته ما قال وتذهب لشراء لحم. تقول للجزار:
أعطني كيلو لحم.
وبينما هو يقطع اللحم، تضيف:
من الأفضل أن تعطيني كيلوغرامين، لأنهم يقولون إن شيئا خطيرا سيحدث، لذا يُستحسَن أن نكون مستعدّين.
يبيعها الجزار اللحم. وحين تأتي سيدة أخرى لتشتري كيلو لحم، يقول لها:
خذي كيلوغرامين، لأنّ الناس يأتون إلى هنا قائلين إن شيئا خطيرا سيحدث، وهم يستعدّون ويشترون مؤنا.
تجيبه السيدة عندئذ:
لي أبناء كثيرون، من الأفضل أن تعطيني أربعة كيلوغرامات.

تشتري أربعة كيلوغرامات. وهكذا يبيع الجزار اللحم كله خلال نصف ساعة. ثم يذبح بقرة أخرى ويبيعها كلها. وتأخذ الإشاعة في الانتشار. وتأتي لحظة يكون جميع من في القرية في انتظار حدوث شيء. تتوقف النشاطات كلها.

وفجأة، في الساعة الثانية بعد الظهر، يشتد الحرّ، كالعادة. يقول أحدهم:
هل لاحظت شدة هذا الحر؟
أجل، ولكن الحر شديد على الدوام في هذه القرية. إنها قرية شديدة الحر؛ حتى إن الموسيقيين فيها يثبتون أجزاء آلاتهم الموسيقية بالقطران ولا يعزفون إلا في الظل، لأنهم إذا عزفوا عليها تحت الشمس تسقط مفكّكة.
ورغم ذلك -يقول أحدهم- لم يحدث أبدا أن كان الحر بهذه الشدة في مثل هذا الوقت.
بلى، ولكنْ ليس بهذه الشدة التي هو عليها الآن.

وفي القرية المقفرة، في الساحة المقفرة، يحطّ فجأة طائر، وينتشر الخبر “طائر في الساحة”. ويأتي الجميع مذعورين لرؤية الطائر.
-لكن العصافير تحطّ دوما هنا أيها السادة.
-أجل، ولكن ليس في مثل هذه الساعة.
وتأتي لحظة من التوتر الشديد يكون فيها جميع أهالي القرية متلهفين، بقنوط، للمغادرة دون أن يجدوا الشجاعة لفعل ذلك. يصرخ أحدهم:
-أنا رجل كامل الرجولة وسأرحل.
يوضّب أثاثه وأبناءه،وبهائمه ويحشر كل ما لديه في عربة ويجتاز بها الشارع المركزي، حيث تراه القرية البائسة كلها.

ثم تأتي لحظة يقولون فيها
ما دام هذا قد تجرّأ على الذهاب فسنذهب نحن أيضا.

ويبدأ هجر القرية بكل معنى الكلمة. تُحمل الأمتعة والبهائم وكل شيء. ويقول شخص آخر ممن يغادرون القرية:
-عسى ألا تقع المصيبة على كل ما بقي من بيتنا.
وعندئذ، يحرق بيته ويحرق آخرون بيوتا أخرى. يهربون بذعر رهيب وحقيقي، كما لو أنه هروب من حرب، وبينهم تمضي السيدة صاحبة النبوءة وهي تقول:
قلتُ لهم إن شيئا خطيرا سيحدث فقالوا إني مجنونة.

ماذا جنينا نحنُ يا أمّاه

لكل المنفيون والقابعون خلف القضبان المادية والوهمية، ولكل الذين فاتتهم الفرص بسبب الجغرافيا التي حتى لم يدركها الإدريسي، ولكل الذين كانوا على وشك الحصول على مرادهم، بيد أنّ الأقدار تعطلت لأسبابٍ دنيوية، ولكل الذين انتظروا وطال انتظارهم وتأملوا في الأيام حتى أخذلتهم، ولكل الذين أملوا وآملوا في واقعهم الصغير حتى داهمتهم بيروقراطية الأيام، فأضحوا في بثّ لا منقطع. لكل أولئك الذين شابهونا في الحيرة والأقدار واحتمالات الانتظار ولا نتيجة. أقول ربّما حان وقت الخروج عن المألوف، أو بالأصح الخروج عن رتابة النفس المعتاده على تقبّل واقعها المكرر، الذي لا يلائم حياة كلها آمال في واقع لا يعيش الأمل فيه طويلا.

رسالة من المنفى

محمود درويش يحمل قصيدة بذات الاسم، ساظل يتساءل فيها عن الحياة وهو في المنفى، قصيدة تدور حول المنفيين عن أوطانهم أو ربّما في أوطانهم، وأقف عند جزء من القصيدة نالَ منى ما نال. “الليل يا أمّاه ذئبٌ جائعٌ، يطارد الغريب أينما مضى، ماذا جنينا نحن يا أماه، حتى نموت مرتين، فمرةً نموت في الحياة، ومرةً نموت عند الموت. ودونما عنوان، ما قيمة الإنسان.”

فيكتور هوغو والمنفى

عشرون عامًا في المنفى، تلاشت أمم، وتهاوت حكومات، وتساقط حكّام، وما زال لكلماته دويّ حتى يومنا هذا. ومن الأمور التي كان لها التوهج في حياة وكلمات هوغو، هي صوت ضميره الذي لم يتوعك ولَم يهدأ أبدا. يقول: “يقظة الضمير من سباته. هي عظمة في الروح، ومجد وخلود”. كتب في منفاه البؤساء وعددا من المسرحيات، ومن خيرة أعماله “رسائل وأحاديث من المنفى”.

كلّنا في منفى حتى تجد الروح شيئا فردوسيا يُسمى وطن.

التسويق والسينما

رغم أنّ الحياة في هذا المجتمع تتنافى مع وجود العمل الملائم للتخصص، والوصول إلى بيئة ملائمة لشغفك؛ لا يعني هذا ألّا تُحب ما يظهر في طريقك، وتنغمس فيه ليكون كلّ اهتمامك، ثم تبدأُ بعد ذاك في حبّ ما بين يديك حتى يتملّكك، لتجد أنّك مخضرم وقد جمعت بين عصرين وتخصصين، وقد نقول شغفين.

لي قرابة نصف عقد في القطاع المصرفي، ولا أعلم إذا كان هنالك خطة خمسية آلهية؛ كما هي حياتي الآنفة، وهل ستكون هذه الخطوات هي الأولى في هذا المجال. وشتّان ما بين الحاضر والماضي الذي لم يكن فيه سوى عاصفة شكسبير، والحركات الأدبية، والأرض اليباب لإليوت، ومغامرات تشارلز ديكينز، والعبثية التي ألتهمتني لصامويل بيكيت، والأمثلة كثيرة والرصيد يكفي لكتابة عشرات الأمثلة التي ستبقى ما بقي الدهر.

لا أعلم إن كان التسويق حيلة أم فن يعين الإنسان على التكسب من وراءه، والبحث عن التقييم، وتمرير بضاعته، والوصول لغاياته. لكن هنالك متعة في التفاوض والبحث عن الهدف من خلال لدغات تصيب العميل دون صدمة أولية، ترضيه وترضي الإدارة، وكلاهما ينظران لهذا المسوّق الذي يجدر به أن يكون فنانا في عمله.

لذا دأبت مؤخرا على القراءة والبحث أكثر عن هذا المجال الذي لا شيء يميزه في المقام الأول سوى أنّه فن يجب على صاحبه أن يعمل على عقله قليلا وينوع كثيرا للوصول من خلال العنصر الأهم، ألا وهو العميل.

هنالك بعض الأعمال السينمائية التي كان لها الفضل في التحفيز والإلهام لهذا المجال، مثل:

فيلم Inside Job يتناول الأزمة العالمية عام 2008 والتي حدث فيها نقطة تحول في حياة الكثيرين، مما أدى ذلك إلى فقدانهم لجُل ودق ما يملكونه في حياتهم.

فيلم The pursuit of happiness استنادا على قصة واقعية. يبدو أنّ هذا العمل هو من خيرة الأفلام إذا فهمنا الرغبة التي تتملك بطل الفيلم الذي لم يكفّ عن السعي. حياة رجل يؤمن في منتج لا يلاقي من وراءه سوى فقدان كل ما يملك.

فيلم The founder، وهذا مثال آخر عن ماكدونالدز الذي يبدأ من مكانٍ صغير في عام 1940، حكاية امبراطورية لم يستمر فيها سوى الفكرة والدهاء.

لا أحد يعلم

لا أحد يُدرك ماذا يدور من صراعات في حياة الإنسان من أجل إثبات نفسه في مكان، أو في حياته الخاصة التي لا يرى الآخرين منها سوى القمة الهادئة والتي تظهر فيها الوداعة. ولا أحد يشعر بما يشعر به الإنسان ذاته ولو أسرف في التعاطف؛ إذ أنّ الحياة لا تكفيها الكلمات وحدها. ولا أحد يدرك ما الذي يدور في هذا الأنفس ليلًا، وما الذي يقلقها من غدها، وما الذي ينتظرها. بيد أنّ السعي والتقصي قد يقنع الإنسان ويرضي روحه التي لا تهدأ وإن كان لا شيء في الوصل. فالسعي يعطي راحةً للبال ونتيجةً مثمرة ساعدت في معرفة الطريق وعوائقه واكتساب التجربة، وقد تدرك في حياتك من هم معك حتى النهاية، ومن ينهون الرحلة قبل نهايتها.

الأنا الآخر ماريو بينيديتي

كان الأمر يتعلق برجلٍ مبتذل. يلبس بنطالاً تشقق عند ركبتيه من كثرة استعماله. كان يقرأ القصص، يصدر صوتاً شبيهاً بالتصفيق أثناء الأكل، وكثيراً ما كان يضع إصبعه في أنفه، يشخر عند النوم، وكان هذا الرجل يدعى أرماندو كورينتيالمُبتَذلفي كل شيء إلا في شيء واحدٍ وهو: الأنا الآخر

بالنسبة للأنا الآخر فقد كانت نظرته شعرية للأمور، كان يحبّ الممثلات، يكذب بحذرٍ، ويعشق لحظات الغروب. غير أنّ هذا الأنا الآخر كان يشعر بقلقٍ وعدم ارتياح أمام أصدقائه بسبب آرماندو، الذي كان بدوره هو كذلك يستاء من الأنا الآخر الذي كان حزيناً وبذلك لا يستطيع آرماندو أن يكون مبتذلاً كما أراد دائماً

وفي أحد الأيام وصل آرماندو إلى بيته متعباً من عمله، خلع حذاءه وحرك ببطءٍ أصابع قدميه وأشعل الراديو. كان موزارت في الراديو غير أنَّ الرجل نام. استيقظ الأنا الآخر ببكاءٍ لا عزاء له. عندما استيقظ آرماندو استاء جداً من بكاء الأنا الآخر، لم يعرف ما يفعل، غير أنه راح يشتمه ويسبه. لم ينبس الأنا الآخر بأي حرف، غير أنه في الصباح الباكر لليوم التالي انتحر

في بداية الأمر كان انتحار الأنا الآخر للمسكين آرماندو ضربة قاسية، لكنه سرعان ما فكر أنّه الآن يستطيع أن يكون مبتذلاً بشكلٍ كامل. لقد جعله هذا يشعر بالارتياح

بعد مرور خمسة أيام على الحداد، خرج آرماندو من المنزل بغية إبراز ابتذاله الجديد والكامل هذه المرة. وعن بعد، رأى مجموعة من أصدقائه تقترب منه، سُرَّ كثيراً للأمر وعلى الفور انفجر ضحكاً. ولكن عندما مرَّ أصدقاؤه بالقرب منه، لم ينتبهوا لوجوده، بل أسوأ من ذلك، استطاع أن يسمعهم وهم يقولون: ” مسكينٌ آرماندو، لطالما بدا قوياً وبصحةٍ جيدة“. 

لم يكن من المسكين آرماندو إلا أن يتوقف عن الضحك، وفي الوقت نفسه، شعر بين أضلاعه باختناق مرير شبيه بشعور الحنان. غير أنه لم يستطع أبداً أن يشعر بالحزن الحقيقي، ذلك أنَّ الأنا الآخر كان قد أخذ معه كل الحزن.

ما بين أوليفر ساكس وبن كارسون

قيمة القراءة في تنوّعها؛ إذ أنّ ذلك يحفز الدماغ على الخروج من إطارٍ واحد ولو كان هذا الإطار يشكّل موسوعة عظيمة في علومه. وكان لي وقفاتٌ سابقة مع علم الأعصاب والجراحة؛ بعد أن شاهدت فيلما سينمائيا عن عالم الجراحة، وتحديدًا حياة الجرّاح الشهير بن كارسون، الذي قام الممثل Cuba Good 2009 في إتقان دور الجرّاح.

يعدّ هذا الجراح مثالا رائعا في هذا العلم الدقيق، ونموذجا لا يغفل عنه تاريخ الجراحة، والأهم من ذلك هي حياته التي لولا والدته لما وصل إلى هذه القمة. ولو عدنا قليلا لبداياته لوجدنا أنّه عانى الأمرّين كما حدث لأمّه التي تزوجت في الثالثة عشر من عمرها، ثم انفصلت لاحقا لتبقى وحيدة هي وابنها، تضطر في كلّ هذه الحياة أن تدافع عن مستقبل تؤمن به، وتراه في ابنها.

بالرّغم من مراحل الابن الصعبة، إِلَّا أنّ والدته كانت ملاحظة لذلك، فبعد أن رأت فيه خموله الدراسي وكثرة مشاكله مع زملائه الطلاب، أجبرته على قراءة كتابين كل إسبوع، وعملت ليل نهار؛ حتى توفر لها ما يحتاج، لنرى بن كارسون اليوم وزيرًا للاسكان بعد أن قدّم الكثير في الميدان الصحي.

أوليفر ساكس

ربّما تكون هذه هي نية اليوم من أوّله، وهي التعريج على حياة عالم الأعصاب والطب النفسي الذي أسمته نيويورك تايمز”شاعر الطب المعاصر”. يمتلك. ساكس رصيدا كبيرا من الإنتاجية المعرفية التي أتت من تجاربه الكثيفة مع المرضى وكيفية التعامل مع حالاتهم. ومن المثير في حياة هذا العالم هو حياة الوحدة الاختيارية التي أرادها.

يتحدث أوليفر عن حبّه للكتابة، ويقول في ذلك: “احتفظت باليوميات عندما كنت في الرابعة عشر من عمري، وكان لدي آنذاك حوالي ألف مذكرة، من جميع الاشكال والأحجام، وقد دأبت على المحافظة على دفتر ملاحظات بجانب سريري، للأحلام وأيضا للأفكار الليلية، أيضًا أحاول الحصول على دفتر ملاحظات بجانب المسبح، وعلى ضفاف البحيرة، والبحر، والسباحة مثمرةٌ للغاية للأفكار التي يجب أن أكتبها. لكن نادرا ما أنظر إلى المذكرات التي احتفظت بها للجزء الأكبر من الحياة، وفعلُ الكتابة نفسه يكفي؛ إنه يعمل على توضيح أفكاري ومشاعري، فهو جزء لا يتجزأ من حياتي العقلية، الأفكار المنبثقة تتشكل بفعل الكتابة. يومياتي ليست مكتوبة للآخرين، وعادةً لا أراها، لكنّها شكلٌ خاص لا غنى عنه للتحدث مع النفس.”

يُذكرأن ساكس كان مهتما بالرياضة والجهد البدني طِوال حياته، وعلاوةً على ذلك لم يترك السباحة يومًا واحدًا مُذ أن درّبه والده. أثرى المعرفة بعدة كُتب كان من أهمها بالنسبة لي، كتابه “نزعة إلى الموسيقى

من الكتب الجميلة التي تحكي كيفية تفاعل المرضى باختلاف معاناتهم مع الموسيقى لحظة صدحها، منهم من يتأرجح، ومنهم من يتأفف، ومنهم من تهدأ روحه وتعاد إليه السكينة. والموسيقى هنا؛ هي كلّ شيء له نغمة، البحر وعمق الطبيعة وحفيف الشجر وهدير الماء، وكل ما لصوته اسم.

قد ينسى بعض المرضى أسماؤهم، وأسماء أحبابهم، بيد أن الموسيقى، ذلك الصوت العجيب، يظل عالقا بالدماغ وقد لا يقوى على تجاوزه.

تدوينة لا شيء مهم فيها، سوى المحافظة على لياقتي.

الصباح الأخير

كيف سيكون حال الإنسان لو أدرك وعلِم مسبقًا أنّ هذا الصباح هو الأخير؟. يا ترى هل سيعيد ترتيب الأمور في حياته من خلال يوم واحد، هل لديه متسع من الوقت لإعادة النظر في كل الأمور التي اتخذ فيها تلك القرارات. يقول فؤاد الفرحان: “كلّ فرح مؤجل، هو ندم مبكر لو تعلمون.” واستنادا على هكذا قول يعين على مهادنة اللحظة حتى لا تذهب سدى دون الاستحواذ عليها. كم من الأعمار أُهدرت في سبيل تأجيل اللحظات لقادم الأيام، ومن المؤسف تأجيل السعادة حتى يتوفران، الزمان والمكان.

يقول محمود درويش: “ولنا أحلامنا الصغرى، كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة، لم نحلم بأشياء عصية، نحن أحياء وباقون وللحلم بقية.” فعلا نحن أحياء بالأمل والحلم وسرقة كل ما في ثنايا اللحظة؛ حتى لا تغدو من الماضي الأجوف الذي لا ذكرى له.

يصدح صوت طلال مداح “ابتدت تحلى الحياة.” حتى مع قلة الموجود، وغياب الحضور، وتلاشي كل مُنتظر؛ لا يجدر تأجيل كل لحظة تستحق أن تُعاش. ويبدو أنّ تأجيل السعادة حتى نحصل على المراد؛ قد يُطفي شعلة في القلب، لابد أن تتغير مع صروف الدهر. ويحضرني حديث لغابريل ماركيز يذكر فيه أنّ القيمة في السعي لا في الوصول، أي أنّ القيمة الحقيقية تكمُن في اللحظة.

ولا أعلم عن صحة الكلمات الأخيرة التي قالها ماركيز عام 2008، بيد أنّها مؤثرة بشكل كبير وفيها خلاصة لحياة عريضة ملؤها الحب. يذكر فيها: “سأسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الجميع نيام. لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنّهم لن يكونوا عشاقا متى شاخوا، من دون أن يدروا أنّهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق. لأن الغد ليس مضمونا، سواء لشاب أو مسن، ربّما تكون في هذا اليوم المرّة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم، فلا تنتظر أكثر. تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولابد من أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه وقتا من أجل ابتسامة، أو عناق، أو كنت مشغولا كي ترسل لهم أمنية أخيرة. لو شاء ربي أن يهبني شيئا من حياة أخرى، فسأستثمرها بكل قواي. ربّما لن أقول كل ما أفكر به، لكنني حتما سأفكر في كل ما سأقوله، سأمنح الأشياء قيمتها.”