على المنحدر

الحياة في العقد الثالث ليست على ما يرام، ويبدو أنها كذلك بشكلٍ عام، لكنها تتطلب حيلة تساعد على إبقاءها في حالة إيقاعٍ متزن يعين الطرفين على تحمل بعضهما البعض، الحياة وأنا، أو أنا وهي. كلّ ذلك القلق الوجودي والعبثية تطلّ من تلك اللحظة التي تشبه فيها الهيثم، ابن النسر الذي يسقط دون إدراك من العش على الأرض، يهوي ويرتطم بواقعه والعقبات، ليتحمل بعد ذلك الحياة التي تواجهه في طريقه إذا كان محظوظا ولم يلتهمه نسرٌ دخيل.

مشوار

تعيد مشوار حياتك وأنت في مقهى قررت الذهاب إليه بعد يومٍ متعب، أو أي مكانٍ يعنيك. لتجد أنّك قد خرجت من المكان والزمان وأنت في ذات الحيّز، تعيد عليك شريط الحياة، لتشاهد تلك اللحظات الأولى التي كانت يداك صغيرتان في يدي أبويك، ثم أضحت يدان تقبضان على بعضهما البعض في البدايات والتجارب الجديدة، تجد قهوتك باردة والعالم ترمقك بنظراتها وأنت ما بين مبتسم وحزين، تتأمل في إنسان قذفته الحياة إلى ميدانها مبكرا دون الحاجة لبروفةٍ سابقة. هذه اللحظات التي كانت في زمنٍ تأمل أن تتجاوزها الذاكرة، تداهمك في أزمانٍ كثيرة، تارةً تكون حسنة في الإشادة بتجاربك، وتاراتٍ تكون عبئًا عليك وعلى ذاكرتك.

تعويل

الشجرة على المنحدر لا تحتضر، لا تخاف النهاية بسبب الحيّز، بل تعوّل على المكان الذي سندت عليه. في قصيدة محمود درويش (هكذا قالت الشجرة المهملة). يبدو أنّ قولها في القصيدة كان شكًا أكثر من كونه ثقة، وتساؤلًا عميقًا فيها حول ما إن كانت العصافير تراها وطنًا لها أم لا. “هل تحسّ العصافير أني لها وطن أو سفر؟”. تريد أن تكون وطنا للعابرين، وأنت تبحث عن تجسيدٍ لك من خلال صورتك في شجرة، لتراها شامخة من التبرعم حتى النضج. لماذا لم أكن طائرا، شجرة، أغنية لا تُملك في يد، شيء لا يُرمى وحده في متاهة، أو يمرّ بمرحلة ليست يوم أو عام، بل عقد وأكثر من حياته. ما بين الحيرة والعبث والتساؤلات.

رغبة

لكن، هناك دائما رغبة في التجاوز، أشد من فجاجة ما حدث، وأملًا في المواصلة برغم الماضي، وتوقًا للغناء ولو كان على ما كان من مآسي وأحداث، وحبًا في هذه الحياة وما فيها لأنها مليئة بكل ما هو جديد على الأعين، مليء بالدهشة، مفعم بالحياة، الجديد الذي فيه ومنه يُستمدّ ترياق هذه الحياة. وما زلنا في نصّ الطيب صالح من روايته “موسم الهجرة للشمال” عندما ذكر الجُمل التي بمثابة لبّ بيت القصيد: ” إنتي أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تُزار، ثمة ثمار يجب أن تُقطف، كتبٌ كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجلّ العمر، سأكتب فيها جملًا واضحةً بخطّ جريء”.

جالسٌ بقرب النافذة

هذه المرة لست خلف المقود ولا الواقع أيضًا، ولا حتى قريبًا من أولئك الذين تتعالى أصواتهم معي وأنا أطيل النظر من خلال النافذة. ولا أذكر أنني كنت في مركبة أم غير ذلك إلّا عندما صرخوا علي وقالوا: ها نحن قد وصلنا. وتلك العادة لا تفارق الذين ولجوا فيها دون إرادتهم، ورأوا فيها الجزء الأجمل من الحكاية، أكانت ذكرى انتهت، أم مستقبلًا في حاضرًا يقالُ له يقظة، تجدهم في غياهب الخيالات، وقد احتوت أيديهم أيادي من أحبوا، وطالت أصوات الأحاديث، وبانت النواجذ من كثرة الضحك.

كان المشوار قصيرًا في مدينة محببة، على خلاف تلك المشاوير أو الرحلات التي لا رغبة في بدئها، بيد أنّها إلزامية لهذه الحياة. اختلطت ألوان السماء، والليل على وشك الهبوط؛ ليواري بذلك الغروب الذي يعقب الشفق. لا شيء في الليالي الممطرة سوى الشاعرية والأحاديث، وربما أكثر من ذلك أو أقل، وللناس طقوسهم التي يفضلونها، وللآخرين حياتهم التي يتحتّم عليهم فيها أن يراعوا أشياء كثيرة عقب المطر، كأن يراعوا الموازيب وحطبهم وحيواناتهم في القرية، وتختلف الكائنات بشكلٍ عام في كيفية التعاطي مع المطر وما بعده.

اعتدت كغيري وربما الكثيرين، أن أزاحم أقراني على المكان القصي في السيارة، النافذة التي من خلالها أتأمل المشهد، ذلك الشاعري الذي قد يُبتذل عند الغير، ويفضل عند الآخرين، لكنه بالنسبة لي لا يختلف عن كونه قصيدة أحب المراقبة من ثناياها إن صحّ التعبير، لأشاهد الأرض، زرقة البحر، اخضرار ويباس الشجر، تبدل الفصول، الأيادي الملوّحة للوداع أو السلام، وربما طلبًا في توصيلة، متابعة سنابل الحقول الكثيفة، الذكريات، نعم الذكريات، لكن لاحقا لا أتى ذلك عندما تغير الرقم العمري الذي لم يأتي وحده، بل أتى بصفات وتغيراتٍ كثيرة، ممتنٌ لأشياء كثيرة وأهمها العزوف عن كل الأشياء المليئة بالوهم وكذلك عن الأشخاص، رفاق الوهم واللحظة في الواقع، الذين تستطيع التواصل معهم بعينيك. عودةً على ذي بدء، لا شيء أثقل من العودة لذات الأماكن التي كانت يومًا هي الحياة والمعنى بالنسبة لك.

أن أجلس مرةً أخرى بجانب النافذة التي من خلالها عشتُ الخيالات والتصورات، وعدتُ للماضي وتجاوزت الزمن وسرعة السيارة. كنت للتو قد سمعتُ قصيدة محمود درويش “لاعب النرد” واستوقفتني تلك الأفعال التي نثرها في القصيدة وكأنها صوتي وأنا اطيل النظر من النافذة لأرى حياتي ومراحلي، ويداي الضعيفة في يدا أبي القوية، لينقلب الحال بيننا، وأرى تقوقعي في أيامي الدراسية الأوَل، والكلمات الرنانة في صغري، فلسطين، المسجد، المدرسة، جدّاي، جدتي التي فقدتها، الطفولة والرهبة من الناس وكل جديد، الابن البكر، الناس الجدد. أكبُر قليلا، اسمع عن مصطفى محمود، رواية العنكبوت، عشرون ألف فرسخ تحت الماء. أشاهدني من النافذة، كرة القدم في الحي، زفافٌ في حوش الجيران، وجهي في المرآة، الأستاذ الذي صفعني، الملك عبدالله في حفل أضعت فيه عقالي، أتذكر وأتذكر وأنا على النافذة، أُبكي الطفولة وحياتي وأنا في الماضي؛ لم اقوى على الاستسلام للحاضر والتكييف فيه، الاستئياد للحياة، الخروج للشارع، هدف زيدان في نهائي كأس العالم 1998، هذه اللحظة الأولى في كرة القدم بالنسبة لشخص نشأ بين عوالم غيبتها الصحوة. اسحب رأسي للوراء، أتأمل دموعي في مرآة النافذة، أنفاسٌ متراكمة، لكنني وحدي، لا أدرك إن كنتُ على نافذة سيارة أم منزل، لا أجرؤ على الاقتراب أكثر، رأيت ما يكفي مني، لكنني لم أصل بعدُ إلى ما أريد. وقد دأبتُ حديثا على إيجاد الوقت الذي لا أحد فيه سواي؛ لأعيد المشهد الذي كنت فيه ولم أعد

قليلة هي المرات التي استمع فيها للأغاني في السفر، المرات الأخيرة كانت للاستماع لقناة جميل الرويلي. لكن المرات التي لا استمع فيها إلى شيء، لا يهدأ عقلي، يعيد علي كل شيء وأنا أتأمل من نافذة للطريق الذي لا أعبر به إلى وجهتي في المستقبل، بل أعود من حاضري إلى الماضي، معنويا وماديا. أتحدث مع نفسي عن كل شيء لمحه عقلي ولم يكلّف نفسه بالبحث أكثر، حتى وإن كانت كلمةً واحدة، لا يلفظها جسمي بما فيه، الكتاب الأول الذي رأيته ورأيت صوره وبعض كلماته، عندما سألت عنه كان ألف ليلة وليلة، ومن حسن حظك أن تجد كتبا عند أسلافك، أعادتني ذاكرتي وأنا في حالة اطمئنان لأغنيةٍ اعتبرها الأولى التي سمعتها وبقي منها “إني أتنفس تحت الماء”. لا أنكر حبي لتلك الذكريات، لكن أتجنب مساؤها قدر الإمكان. يقول درويش: “أمشي، أهرول، أركضُ، أصعدُ، أنزل، أصرخ، إلخ”. كل ذلك كان من خلال نافذة رجعت للماضي، ووصلت المستقبل، من وقود حاضري، من خيالات وشخصيات الذين قرأتهم ولم أرهم.

تقول أم كلثوم في أغنية ذكريات عام 1955 عن الذكريات “كيف أنساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي، إنها قصة حبي”.

لو كنتُ شيئا آخر

في حيواتٍ موازية إن حصل وأطلق الخيال لنفسه، يودّ أحدهم لو أنّه شيئا آخر، غير تلك الهيئة التي وجِد بها. وربما لا دافع هناك إلا للهروب أكثر والتمويه علّ وعسى أن يُتاح الكثير من الفرص في هيئة جديدة، ولو كانت شيئا معنويا. لا سبب هناك واضح في تلك المحاولات التي تتجاوز الروح الإطار الجسدي للبحث عنها في أشياء كثيرة؛ وجدت فيها الملاذ والحياة، وربما شيئا من الرغبة في التشكل والاستمرارية، وإن كان لا مفر للإنسان من تغيير ذاته لشجرة أو قصيدة، أغنية، وغيرذلك. تجده يفني حياته حبًا في البحث بعدما تعلق بذلك الشيء، إن كانت رغبته ان يصبح شجرة، تجده ضاربًا بالأمثال عنها، مهتما بالكلمات فيها، مميزا نوعا فيها، وربما قد يكون زارعا لها، متخذها شعارًا في حياته. لكنه وإن رغِب يومًا أن يكون شجرة، فلابد أن يحذر في اختيار البقعة الجغرافية؛ حتى لا يصبح رهينة لفأس إنسان جاهل كان باحثا عن حطبٍ للشتاء غير آبهٍ بما عنده، فضرب تلك الشجرة التي كانت يوما إنسانًا يملُك حُلما.

أن أكون أغنية لا تُخنق في الأيادي ولا تقف عن إنسانٍ واحد، بيد أنها لا تملك الزمن الذي قد تكونَ فيه مأساة لمجرد سماعها في حالة حزن، إذ يقرر المستمع أن ينفيها للأبد؛ لسوء ذلك التوقيت. أغنية لا أقف في أرض ولا أنزل رأسي بسبب دنو السقف ولو كان سماءً، لا يحدني بلد، ولا يملكني دكتاتور، ومن حظي أن أكون ذكرى عاشقَين، ومن سوء حظي أن أكون لحظة كلها بثّ في ذاكرة محب، لكنني لا أبحث عن أحد لأنّ الخلود حظي. أن أكون أغنية يعني ألّا يكون لي عمرٌ محدد

لو كنت شيئا آخر، لوددت أن أكون قصيدةً عصماء خالدة، تحديدا معلقة طرفة بن العبد. “إذا القوم قالوا من فتًى؟ خِلتُ أنني/ عُنيتُ فلم أكسل ولم أتبلّدِ”. ألا أقف إلا في اللغة، روحي كلمة، وغذائي كذلك، لو كنت قصيدة، لما شكوتُ من شيء؛ لأنني حيٌ في صدر صاحبها ومن أخذها شعارا له في الحياة، وربما أكون هزيعًا في آخر الليل، لا أملك سوى الستر على النائمين والذين يتبادلون الحب خشية بزوغ النهار. ربما أكون قصيدة رثاء استنادا على ما يأتي ويذهب، أغنيةً وطنية ليس شرطًا أن تكون مليئةً بالفرح، بل حُفظت لتكرارها، شجرة سدرٍ توهمُ الناس بثباتها، كتابٌ مغمور ليس به سوى قصائد حول القلق الوجودي، طريقٌ شاخ عن تحمّل المركبات، سحابة لا تملك سوى مشاركة السحاب، حديثًا فلسفيا يبقى في الذاكرة لوجوده مرةً واحدة.

لا أعوّل على شيء سوى الخيال الحتمي الذي ينبئني دائما بأنني لو كنتُ شيئا آخر، لكنت شجرةً تعيش دون الحاجة ليد الإنسان، شجرة تنمو على حافة العالم، بعيدة عن الأعين وأيادي الآخرين.

التحدي، كيف أصبحت كاتبا. ترجمة أحمد شافعي

لم أتخيل قط أن يحدث بعد تسعة أشهر من إكمالي دراستي الثانوية أن تنشر قصتي الأولى في ملحق فين دي سيمانا الأدبي الأسبوعي التابع لجريدة إل سبكتادور في بوجوتا، وهو أهم إصدار أدبي في ذلك الوقت وأبعدها منالا. ولا أن يحدث بعد اثنين وأربعين يوما أخرى أن تنشر قصتي الثانية. غير أن دهشتي الكبرى جاءت من تقدمة المحرر للملحق، وهو إدواردو زالامي بوردا (وكان اسمه الأدبي هو عوليس) الذي كان أصفى ناقد كولمبي عقلا في ذلك الوقت، والأكثر انتباها لظهور المواهب الجديدة.
ذلك كلُّه جرى على نحو غير متوقع، إلى حد يصعب حكيه. في فبراير من عام 1947، قبلت في كلية الحقوق بجامعة بوجوتا الوطنية حسب ما اتفقت عليه أنا ووالداي. عشت في وسط المدينة، في بنسيون بشارع كالي فلوريان الذي كان يحتله كله تقريبا طلبة الساحل الأطلنطي من أمثالي. كنت في المساءات التي لا تشغلني فيها الدراسة، بدلا من العمل لتدبير نفقاتي، أقضي الوقت في القراءة، إما في غرفتي أو في المقاهي التي تسمح بذلك. وكنت أعتمد في الكتب التي أقرؤها على الصدفة والحظ، والحق أنني كنت أكثر اعتمادا على الصدفة مني على أي حظ شخصي، لأن الأصدقاء الذين كانوا يملكون شراء الكتب كانوا يعيرونها لي لمدد محدودة، فكنت أسهر الليالي لإنهائها وإعادتها في الوقت المتفق عليه. وخلافا للكتب التي كنت أقرؤها أيام المدرسة في زيباكويرا وكلها من مقبرة الكتاب المكرّسين، كانت تلك الكتب أشبه بخبز يخرج طازجا من الفرن، منشورة في بيونس أيرس في ترجمات جديدة بعد فجوة كبيرة في النشر تسبَّبت فيها الحرب العالمية الثانية. وبتلك الطريقة اكتشفت من حسن حظي الكتاب المكتشفين أشد الاكتشاف خورخي لويس بورخيس ودي إتش لورنس وألدوس هكسلي وجراهام جرين وجي كيه تشيسترتون ووليم أيريس وكاثرين منسفيلد وكثيرين غيرهم.
في الأغلب كانت تلك الكتب تعرض في واجهات متاجر الكتب بعيدة المنال، لكن بعض النسخ كانت تتداول في مقاهي الطلبة التي كانت مراكز فعالة لتثقيف لطلبة الجامعة من أبناء الأقاليم. كان كثير من أولئك الطلبة يحجزون موائدهم من سنة إلى سنة ويتلقون بريدهم بل وحوالاتهم المالية على تلك المقاهي. وكانت أفضال ملاك تلك المقاهي أو الثقات من العاملين فيها حاسمة في إنقاذ عدد غير قليل من المسيرات الجامعة، ولعل عددا غير قليل من المهنيين في هذا البلد يدينون لعلاقاتهم في تلك المقاهى بأكثر مما يدينون به لأساتذتهم شبه المختفين.
كان مقهاي المفضل هو إل مولينو الذي كان يتردد عليه شعراء أكبر سنا وكان يقع على بعد مائتي متر فقط من البنسيون عند تقاطع أفينيدا خيمينيث دي كويسادا وكاريرا سيبتيما. لم يكن مسموحا للطلبة بحجز مقاعد في إل مولينو، ولكن من المؤكد أننا كنا نتعلم من الحوارات الأدبية التي كنا نسترق السمع إليها ونحن محتشدون حول الموائد القريبة أكثر مما كنا نتعلم من الكتب الجامعية، وأفضل. كان مقهى ضخما، أنيقا على الطراز الأسباني، وكانت جدرانه مزينة بأعمال الرسام سنتياجو مارتينيث ديلجادو مع حلقات من معركة دون كيخوته مع طواحين الهواء. ومع أنه لم يكن لي مكان محجوز، فقد كنت أرتب دائما مع النُدُل ليجلسوني أقرب ما يمكن من الأستاذ ليون دي جريف ـ الملتحي، الساحر، ذي الصوت الأجش ـ الذي كان يستهل حديثه الأدبي عند الغروب مع بعض أشهر كتاب ذلك الزمن، وينهيه مع تلاميذه في الشطرنج عند منتصف الليل، غارقا في الشراب الرخيص. قليل جدا من كبار فناني وكتابي البلد هم الذين لم يجلسوا ولو مرة إلى تلك المائدة، وكنا نجلس في سكون الموتى لكيلا تفوتنا كلمة واحدة. ومع أن أكثر كلامهم كان عن النساء والمؤامرات السياسية لا عن أعمالهم، فقد كانوا دائما يقولون شيئا جديدا علينا.
كان الأكثر انتباها بيننا هم القادمون من الساحل الأطلنطي الأقل، واتحاد أولئك على المؤامرات الكاريبية المحاكة ضد الـكاشاكوس Cachacos ـ أي أبناء الجبال ـ كان أقل من اتحادهم في رذيلة الكتب. حدث ذات يوم أن وضع خورخي ألفارو إسبينوزا ـ طالب القانون الذي علَّمني كيف أمخر عباب الإنجيل وحملني على حفظ أسماء رفاق أيوب ـ سفرا مهيبا على الطاولة أمامي وأعلن بسلطة أسقف أن «هذا هو الإنجيل الجديد».
كان ذلك الكتاب، بالطبع، هو كتاب عوليس لجيمس جويس الذي أخذت أقرؤه نتفا وأجزاء في نوبات ووتوقفات وبدايات إلى أن فقدت صبري. وتلك كانت وقاحة الصبا. فبعد سنين، وقد كبرت وكبرت رغبتي في التعلم، فرضت على نفسي مهمة قراءته ثانية جادة، فلم يسفر ذلك فقط عن اكتشاف عالم أصيل لم أحسب قط أنه موجود بداخلي، بل أسفر عن إمدادي بعون تقني عظيم القيمة في تحرير اللغة والتعامل مع الزمن والبنية في كتبي أنا.
كان أحد رفاقي في سكنى البنسيون يدعى دومينجو مانويل فيجا، وهو طالب طب كان صديقا لي منذ صبانا في بلدة سوكري ويشترك وإياي في النهم إلى القراءة. وذات ليلة، جاء فيجا بثلاثة كتب كان قد اشتراها للتو، وأعارني أحدها، وقد اختاره عشوائيا كشأنه دائما، ليساعدني على النوم. ولكن الأثر في تلك المرة كان العكس بالضبط، فلم أنم قط بالهدوء الذي عرفته قبلها. كان الكتاب هو «التحول» لفرانز كافكا في الترجمة الصادرة عن لوسادا في بيونس أيرس، وقد حدد وجهة جديدة لحياتي منذ سطره الأول الذي بات يعد من الأدوات العظيمة في عالم الأدب: «فيما كان جريجور سامسا يستيقظ في الصباح إثر أحلام مضطربة وجد نفسه قد تحول في سريره إلى حشرة عملاقة».
هما كتابان غامضان، فيهما هاويات خطيرة لم تكن فقط مختلفة بل كانت مناقضة لكل ما قرأته حتى ذلك الحين. علماني أنه ليس ضروريا أن أعرض الحقائق، وأنه حسب الكاتب أن يكتب شيئا ليكون هذا الشيء صادقا، دونما برهان على صدقه أكثر من قوة موهبته وسلطة صوته. لقد كانت شهرزاد مرة أخرى، لكنها بعيدة عن عالمها القديم الذي فيه كل شيء ممكن، بل في عالم غير قابل للإصلاح، كل ما فيه قد ضاع وانتهى الأمر.
حينما أنهيت قراءة التحول شعرت بتوق لا يقاوم إلى الحياة في ذلك الفردوس الغريب. لقيني اليوم الجديد جالسا إلى الآلة الكاتبة المحمولة التي أعارني إياها دومينجو مانويل فيجا، محاولا كتابة شيء شبيه بحكاية كافكا عن الموظف المسكين الذي تحول إلى صرصار هائل. في الأيام التالية لم أذهب إلى الجامعة خشية أن يتبدّد السحر، واستمررت، تتفصد مني قطرات عرق الحسد، إلى أن نشر إدواردو زالامي بوردا في صفحاته مقالة مؤسية يرثي فيها غياب أسماء تعلق بالذاكرة وسط الجيل الجديد من الكتاب الكولومبيين، وأنه لا يستطيع أن يتلمس في المستقبل علاجا لهذا الوضع. لا أعرف بأي حق شعرت في ذلك بالتحدي، باسم جيلي، أمام ما في تلك المقالة من استفزاز، لكنني تناولت القصة من جديد في محاولة لأن أثبت أنه مخطئ. أسهبت في الفكرة المستلهمة من حبكة جثة «التحول» الواعية، لكنني حرَّرت القصة من ألغازها الزائفة وانحيازاتها المعرفية.
ومع ذلك بقيت متشككا إلى حد أنني لم أجرؤ أن أكلم عنها أيا من رفاقي في مقهى إل مولينو. ولا حتى مع جونزالو مالارينو زميلي في كلية الحقوق، وكان هو القارئ الوحيد لنثرياتي الغنائية التي كنت أكتبها لتعينني على احتمال ضجر المحاضرات. ظللت أعيد قراءة قصتي وأصححها إلى أن تملك مني التعب، فكتبت أخيرا رسالة شخصية إلى إدواردو زالامي، الذي لم أكن رأيته قط، ولا يمكنني الآن أن أتذكر كلمة من تلك الرسالة. ووضعت ذلك كله في مظروف حملته بنفسي إلى مكتب الاستقبال في إل سبكتادور. سمح لي الحارس بالصعود إلى الطابق الثاني لتسليم الرسالة إلى زالامي نفسه، فأصابتني الفكرة نفسها بالشلل. تركت المظروف على طاولة الاستقبال وهربت.
حدث ذلك في يوم الثلاثاء، ولم يكن يؤرقني أي شعور مسبق تجاه مصير قصتي. كنت على يقين من أنها في حال نشرها لا يمكن أن تنشر بسرعة. وفي الوقت نفسه بقيت أهيم من مقهى إلى مقهى مخففا عن نفسي مخاوف عصر ذلك السبت، حتى الثالث عشر من سبتمبر حينما ذهبت إلى إل مولينو واصطدمت بعنوان قصتي مطبوعا بعرض صفحة كاملة من عدد إل سبكتادور الصادر للتو: «الإذعان الثالث».
كان رد فعلي الأول هو إدراكي المدمر بأنني لا أمتلك خمسة سنتات أشتري بها الجريدة. كان ذلك أوضح آيات فقري، ذلك أنه كان في الحياة أساسيات كثيرة ـ فضلا عن الجريدة ـ تكلف المرء خمسة سنتات: الترولي، والهاتف العمومي، وفنجان القهوة، وتلميع الحذاء. سارعت إلى الشارع غير مستظل بما يقيني المطر المتواصل، ولم أجد في المقاهي المجاورة من يمنحني عملة صغيرة. ولم أجد في البنسيون في تلك الساعة الميتة من عصر يوم السبت إلا مالكته، وذلك كأن لا تجد أحدا، إذ كنت مدينا لها بسبعمائة وعشرين مثل السنتات الخمسة نظير شهرين من السكن والطعام. حينما خرجت مرة أخرى، غير مستعد لشيء، صادفت رجلا أرسلته العناية الإلهية: كان يركب تاكسي وفي يده إل سبكتادور، فسألته مباشرة إن كان يمكن أن يعطيني الجريدة.
وهكذا قرأت قصتي الأولى منشورة، مع رسم لهرنان ميرينو، رسام الجريدة. قرأتها في نفس واحد، مختبئا في غرفتي، وقلبي يخفق. ومع كل سطر كنت أكتشف طاقة النشر الساحقة، فذلك الذي أقمته بكثير للغاية من المحبة والألم بوصفه تقليدا متواضعا لعبقرية إنسانية تمخض لي عن مونولوج ضعيف غامض لا يكاد يقيمه إلا عزاء من ثلاث جمل أو أربع. ومضى عشرون عاما تقريبا قبل أن أجرؤ على قراءتها مرة ثانية، فكان حكمي في هذه المرة ـ وإن لم يَشُبْه الانفعال ـ أقل تساهلا.
كان أصعب شيء هو ذلك الفيض الهائل من الأصدقاء الذين غزوا غرفتي حاملين نسخا من الجريدة والثناء المتوهج على قصة كنت واثقا أنهم لم يفهموها. بعض زملائي في الجامعة أعجبتهم القصة، وبعضهم حاروا في أمرها، وآخرون لم يتقدموا في قراءتها ـ لأسباب كثيرة ـ إلى ما بعد سطرها الرابع، ولكن جونزالو مالارينو ـ الذي لم يكن يسهل عليَّ أن أنازع حكمه الأدبي ـ فأعجب بها دونما تحفظ.
كان أكبر مخاوفي يتعلق بتصديق خورخي ألفارو اسبينوزا الذي كان نصله النقدي ماضيا حتى خارج دائرتنا المباشرة. كانت لديّ مشاعر متضاربة: كنت أريد أن أراه على الفور لأتخلص من شكي مرة وإلى الأبد، وفي الوقت نفسه كانت فكرة مواجهته ترعبني. ظل مختفيا حتى يوم الثلاثاء، ولم يكن ذلك غريبا على قارئ نهم، ولما عاود الظهور في إل مولينو بدأ يتكلم معي لا عن القصة بل عن التهور.
قال مثبِّتا عيني الكوبرا الخضراوين الواسعتين في وجهه عليَّ «أتصور أنك تدرك المأزق الذي وضعت نفسك فيه. أنت الآن في عداد الكتاب المعروفين، وأمامك الكثير الذي لا بد من عمله لتستحق هذا».
رأيه كان الوحيد القادر على إحداث تأثير في نفسي يعادل تأثير عوليس، فتحجرت. لكن قبل أن ينهي كلامه قررت أن أبادره بما اعتقدت آنذاك ـ ولم أزل أعتقد منذ ذلك الحين ـ أنه الحقيقة: «تلك القصة قطعة من الروث».
ردَّ بثبات لا يتزعزع قائلا إنه ليس بوسعه بعد أن يقول أي شيء لأنه لم يلق عليها غير نظرة عابرة. لكنه أوضح أنها حتى لو كانت بالسوء الذي وصفتها به، فهي ليست سيئة بالقدر الذي يجعلني أضحي بالفرصة الذهبية التي منحتها لي الحياة.
وفي النهاية قال «على أي حال، القصة الآن في عهدة الماضي. والمهم الآن هو القصة التالية». كنت على قدر من الحماقة والذهول جعلني أبحث عن حجة معاكسة، إلى أن فهمت أنني لن أسمع أذكى من نصيحته تلك نصيحة. وأسهب في فكرته الراسخة بأن عليك أولا أن تجد القصة ثم الأسلوب، مع أن كلا يعتمد على الآخر في خدمة تبادلية هي عصب عصا الكلاسيكيات السحرية. وقضى كذلك بعض الوقت في رأيه الذي كان كثيرا ما يكرِّره، وهو أنني بحاجة إلى الإغريق لأمتلك العمق والتجرد، ولا يقتصر الأمر على هوميروس الذي لم أكن قرأت غيره إذ كنت مطالبا بذلك في دراستي للبكالوريا. ووعدت أن أفعل، وأردت أن أسمع منه أسماء أخرى، لكنه غيَّر الموضوع، وبدأ يتكلم بدلا من ذلك عن «المزيفون» لأندريه جيد التي كان قد قرأها في عطلة الأسبوع السابقة. لم أجد في نفسي الشجاعة قط لأخبره بأن حوارنا ذلك هو الذي ربما حدّد مسار حياتي. سهرت تلك الليلة أدوّن ملاحظات لقصتي التالية التي ما كان ينبغي أن تحتوي تهويمات القصة الأولى.
شككت أن من تكلموا معي عن القصة كانوا أقل إعجابا بالقصة ذاتها ـ التي ربما لم يقرأوها وكنت على يقين من أنهم لم يفهموها ـ منهم بنشرها في صفحة لها تلك الأهمية وبتلك الجلبة غير المعهودة. أدركت ابتداء أن أكبر عيبين من عيوبي هما أفدح العيوب على الإطلاق: كتابتي الخرقاء وجهلي بالقلب الإنساني. وكلا العيبين كان أكثر من واضح في قصتي الأولى التي جاءت مرتبكة، تأملية تجريدية، وزادها سوءا أني استعملت مشاعر مخترعة.
فتشت في ذاكرتي عن مواقف من الحياة الحقيقية لقصتي الثانية، وتذكرت أن إحدى أجمل النساء اللاتي قابلتهن في حياتي طفلا حكت لي أنها تود لو أنها تستطيع أن تكون بداخل القطة الجميلة التي كانت تمسدها في حجرها. سألتها عن السبب فقالت «لأنها أكثر جمالا مني». وجدت في ذلك منطلقا لقصتي الثانية، وكذلك عنوانا جذابا: «إيفا داخل قطتها». والبقية ـ كما قي القصة الأولى ـ كان مخترعا من العدم، وللسبب نفسه ـ مثلما كنا نقول في تلك الأيام ـ كانت تحمل بداخلها بذور دمارها.
نشرت هذه القصة بمثل الجلبة التي نشرت بها القصة الأولى، يوم السبت، 25 أكتوبر 1947، وبرسومات للرسام إنريك جراو، النجم الصاعد في السماء الكاريبية. وأدهشني أن تقبل أصدقائي ذلك باعتباره حدثا روتينيا واعتبروني كاتبا شهيرا. بينما عانيت، في المقابل، من الأخطاء، وتشككت في النجاح، وإن أمكنني أن أحافظ على أملي حيًّا. وجاءت الذروة بعد أيام قليلة حينما كتب إدواردو زالامي ـ مستعملا اسمه الأدبي عوليس، ملاحظة في عموده اليومي بصحيفة إل سبكتادور. وكان مباشرا: «سيلاحظ قراء ملحق فين دي سيمانا الأدبي في هذه الصحيفة ظهور موهبة أصيلة جديدة ذات شخصية قوية»، ومضى فقال «إن أي شيء يمكن أن يحدث في الخيال، ولكن القدرة على إظهار اللؤلؤة القائمة هناك، بصورة طبيعية بسيطة ودونما جلبة، ليست بالشيء الذي يتسنى تحقيقه للولدان في العشرينيات ممن يبدأون علاقتهم بالأدب». وخلص بلا تردد إلى القول بأن «كاتبا جديدا بارزا قد ولد في جارثيا ماركيز».
جلبت لي تلك الكلمات هزة من السعادة ـ وكيف لا؟ ـ وإن أزعجني في الوقت نفسه أن زالامي لم يترك لنفسه مخرجا. صرت ـ وقد قال ما قال ـ مرغما أن أفسر كرمه ذلك باعتباه صيحة تنبيه لوعيي تستمر لما بقي من حياتي.
برغم تغيبي المزمن وإهمالي التام، اجتزت بسهولة مواد القانون في السنة الأولى بفضل حشو محموم في الدقيقة الأخيرة، أما المواد الأصعب فاستعملت معها حيلتي القديمة وهي مراوغة الأسئلة بأدوات الذكاء. والحقيقة أنني لم أكن مرتاحا إلى دراستي ولم أدر كيف سأستمر في تلمس طريقي في ذلك الشارع المسدود. كان فهمي للقانون قليلا واهتمامي به أقل من اهتمامي بأي من المواد التي سبق أن درستها في المدرسة، وشعرت أنني كبير بالقدر الكافي لأن أتخذ قراراتي بنفسي. باختصار، بعد ستة عشر شهرا من القدرة الإعجازية على البقاء في تلك الكلية، كان كل ما جنيته هو مجموعة أصدقاء جيدين لما بقي من حياتي.
اهتمامي الضئيل بالقانون ازداد ضآلة بعد ما كتبه عوليس. في الجامعة بدأ بعض الطلبة يقولون لي يا أستاذ ويقدمونني باعتباري كاتبا. وتزامن ذلك مع قراري ان أتعلم كيفية بناء قصة تكون في آن واحدة قابلة للتصديق وفنتازية، وخالية من التصدعات. كان لديّ العديد من النماذج البعيدة المثلى، مثل «الملك أوديب» لسوفوكليس، التي يحقق بطلها في مقتل أبيه ليكتشف أنه هو نفسه قاتله، و«كف القرد» لـ دبليو دبليو جاكوب وهي القصة المثالية التي لا يحدث شيء فيها إلى صدفة، و«كرة الشحم» لموباسان، وكثير جدا من الخطائين العظماء عسى أن يجعلهم الرب في مملكته المقدسة.
تورطت في ليلة أحد، فحدث لي أخيرا شيء يستحق الحكي. كنت قد قضيت النهار كله تقريبا أنفس عن إحباطاتي ككاتب مع جونزالو مالارينو في بيته بـ أفينيدا تشيلي، وبينما أنا راجع إلى البنسيون في الترام الأخير صعد من محطة تشابينيرو كائن الفون faun الخرافي، من لحم ودم. وما من خطأ هنا: لقد قلت فون. لاحظت أنه لم يبد على أيٍّ من ركاب ترام منتصف الليل أي دهشة لرؤيته، فجعلني ذلك أفكر أنه مجرد أحد الرجال الذين يتنكرون ليبيعوا مختلف أنواع البضائع في حدائق الأطفال في أيام الأحد. لكن الواقع الماثل أمامي أقنعني بألا أتشكك: فقد كان قرناه ولحيته في مثل برية قرون تيس ولحيته، وعندما عبر بي زكمني نتن فرائه. وبأخلاق رب أسرة محترم، غادر الترام قبل كالي 26، وهو شارع المقابر، واختفى بين شجر الحديقة.
بعد نصف ليلة سهرتها أتقلب على جنبي، سألني دومينيجو مانويل فيجا ماذا بي. قلت له بين النوم واليقظة «إنه مجرد فون ركب الترام». كان متيقظا تماما حينما قال إن ذلك لو كان كابوسا فالسبب هو سوء الهضم المعهود في أيام الأحد، أما لو كان ذلك موضوع قصتي القادمة ففي رأيه أنه رائع. في الصباح التالي لم أكن أعرف أرأيت الفون في الترام أم هي هلوسات الأحد. بدأت بأن اعترفت لنفسي أن النوم غلبني، من فرط الإنهاك في نهاية اليوم، فرأيت حلما بلغ من الوضوح أن عجزت عن تمييزه من الواقع. ولكن في النهاية، لم يكن الأمر الجوهري بالنسبة لي هو إن كان الفون حقيقيا، بل انني عشت تجربة كان فيها كأنه حقيقي. وللسبب نفسه، لم يكن مشروعا ـ سواء أكان حقيقيا أم حلما ـ أن أعتبره من سحر الخيال، فقد كان في أثره تجربة عجيبة في حياتي.
كتبت القصة في اليوم التالي في جلسة واحدة، ووضعتها تحت مخدتي، وقرأتها وأعدت قراءتها طوال ليال عديدة قبل أن أنام وبعد أن أصحو في الصباح. كانت تدوينا حرفيا أمينا لموقف الترام، تماما كما حدث وبأسلوب بريء براءة إعلان معمودية في صفحة المجتمع. أخيرا قررت ـ بينما تطاردني الشكوك ـ أن أخضع القصة لامتحان النشر الناجع، لا في إل اسبكتادور، بل في المحلق الأدبي لـ إل تيمبو. ربما كانت تلك طريقتي في مواجهة تقييم مختلف عن تقييم إدوارد زالامي، ولكي لا أشركه في مغامرة ليس لديه سبب للاشتراك فيها. بعثت القصة مع صديق من البنسيون ومعها خطاب إلى جايمي بوسادا، وهو المحرر الجيد الشاب جدا لملحق إلى تيمبو الأدبي. ولم تنشر القصة ولم أتلق ردا على رسالتي.
أدى النشر في إل سبكتادور ـ على هوامش النجاح الأدبي ـ إلى مشكلات أكثر دنيوية وتسلية. كان الأصدقاء الواهمون يستوقفونني في الشارع ويطلبون قروضا من شأنها أن تنقذهم غير مصدقين أن كاتبا مرموقا بهذا القدر لم يتلق مبالغ هائلة عن قصصه. وقليل للغاية من كانوا يصدقونني حينما أخبرهم بالحقيقة: وهي أنني لم أتلق سنتا عن القصص ولم أكن أتوقع ذلك، إذ كان ذلك هو المعتاد في صحافتنا. والأكثر خطورة من ذلك هو خيبة أمل أبي حينما أدرك أنني غير قادر على تحمل نفقاتي بنفسي في الوقت الذي كان لديه هو ثلاثة من أبنائه الأحد عشر في المدرسة. كانت الأسرة تبعث لي ثلاثين بيزو في الشهر. وكان البنسيون وحده يكلفني ثمانية عشر منها لا تشمل الحق في تناول البيض على الإفطار. ودائما كنت أجد نفسي مرغما أن أجور على قليل من تلك النقود لنفقات غير متوقعة. لا أعرف أين اكتسبت عادة رسم الاسكتشات وأنا غير واع في هوامش الصحف، وعلى المحارم في المطاعم، وعلى رخام الموائد في المقاهي. ولكن أحد معارفي في إلي مولينو، كان له نفوذ في وزارة وكان يوشك على العمل فيها مصمم وثائق بدون أن تكون له أدنى فكرة عن الرسم، واقترح عليّ أن أقوم بهذا العمل نيابة عنه ونتقاسم الراتب. ولم يحدث في حياتي مرة أخرى أن كنت قريبا هكذا من الفساد، ولكنني لم أقترب إلى حد أن أتوب.
نشأ اهتمامي بالموسيقى أيضا في تلك الفترة، إذ كانت أغنيات الكاريبي الجماهيرية ـ التي رضعتها مع لبن أمي ـ تشق طريقها إلى بوجوتا. كان البرنامج الإذاعي الجماهيري الأكبر يحمل اسم «الساعة الكاريبية» ويقدمه باسكوال ديليكتشيو وكان أقرب إلى سفير موسيقي من الساحل الأطلنطي. كان يبث في صباح الأحد وحقَّق جماهيرية كبيرة لدرجة أن كنا نحن الطلبة الكاريبيين نذهب إلى محطة الإذاعة لنرقص حتى العصر. وكان ذلك البرنامج هو سر ذيوع موسيقانا الهائل في المناطق الداخلية من البلد ثم في أقصى أركانها بعد ذلك، بل إنه وفر للطلبة من أبناء الساحل فرصة لتحسين وضعهم الاجتماعي في بوجوتا.
كان العيب الوحيد الذي قد يعاني منه الطلبة الكاريبيون في بوجوتا هو احتمال الزواج القسري. لا أعرف ما السوابق الكريهة التي رسخت الاعتقاد الساحلي بأن بنات بوجوتا يتساهلن مع شباب الساحل إلى أن يستدرجننا إلى السرير فنتزوج بهن مرغمين. ولم يكنَّ يفعلن ذلك من حب بل رجاء الحياة خلف شباك يطل على البحر. لم أصدق ذلك قط. بل إن أكره ذكرياتي ـ على العكس من ذلك ـ هي ذكريات المواخير الكريهة في أطراف بوجوتا التي كنا نقصدها لنفرغ نوبات سكرنا التعيسة. في أقذرها على الإطلاق، أوشك أن أترك ورائي ما كان بي من حياة قليلة عندما ظهرت امرأة ـ كنت معها للتو ـ وهي عريانة في الطرقة وتصرخ مدعية أنني سرقت اثني عشر بيزو من درج تسريحتها. طرحني بلطجيان من الماخور أرضا، ولم يرضيا بإفراغ جيوبي من البيزوين اللذين بقيا لي بعد جلسة الغرام المدمر، بل جرّداني من كل شيء، بما في ذلك حذائي، بحثا في كل بوصة عن النقود المسروقة. كانا قد قرّرا ألا يقتلاني بل أن يسلماني للشرطة حينما تذكرت المرأة أنها غيرت موضع النقود في اليوم السابق، وعثرت عليها في مكانها لم يمسسها أحد.
لم يمض وقت طويل على ذلك حتى قررت أخيرا ألا أهدر الوقت في كلية الحقوق، ولكنني لم أجد الشجاعة لأواجه أبوي مواجهة حاسمة. قالا لي إنهما في غاية الرضا عن نتيجتي في البكالوريا وفي السنة الأولى في كلية الحقوق لدرجة أن بعثا إليّ ـ في عهدة أخي لويس إنريكي الذي كان قد وفد إلى بوجوتا وعثر على وظيفة جيدة في فبراير سنة 1948 ـ هدية مفاجئة كانت عبارة عن أخف وأحدث آلة كاتبة في السوق. كانت أول آلة كاتبة امتلكتها، وأتعسها حظا في الوقت نفسه، إذ كان علينا في يوم وصولها نفسه أن نرهنها في مقابل اثني عشر بيزو لنكمل حفلة الترحيب بأخي مع أصدقائي في البنسيون. في اليوم التالي ذهبنا، برؤوس منهكة، إلى محل الرهونات لنتأكد أن الآلة الكاتبة لم تزل في مكانها لم تفضَّ أختامها بعد، ولنضمن أنها سوف تبقى بحال جيدة إلى أن تنهمر علينا من السماء النقود اللازمة لاستردادها. كانت لدينا فرصة جيدة في ما دفعه لي صديقي مصمم الوثائق المزيف، لكننا قررنا في الدقيقة الأخيرة أن نعدل عن استردادها. وكنا كلما عبرنا بمحل الرهونات أنا أو أخي أو كلانا معا، نرى من الشارع أن الآلة لم تزل في مكانها، ملفوفة كالجوهرة في ورق شفاف، وسط صف من الأجهزة المنزلية المحمية. وبعد شهر، كانت الحسبة البهيجة التي أجريناها في فوران سكرنا لم تزل معلقة، لكن الآلة الكاتبة بقيت بأمان في مكانها ما بقينا قادرين على دفع الفوائد ربع السنوية.
نشر هذا النص في مجلة ذي نيويوركر الأمريكية بتاريخ 6 أكتوبر 2003 بترجمة إيديث جروثمان من الأسبانية إلى الإنجليزية

استنطق الحياة. بيسوا

صورة لأحدهم كانت كل الكلمات للآخر

لليوميات قيمة عظيمة في حياة صاحبها، وقارئها أيضًا، لما فيها من نصائح غير مباشرة وأساليب حياة، وكلمات تتحدث عنك بخلاف صاحبها؛ لأنّ الاقدار جمعتكما في ذات المحنة باختلاف الزمان. من يوميات الإيطالي باڤيزي “مهنة العيش” إلى “اللاطمأنينة لبيسوا”، الكثير من اليوميات التي خلدت تلك الحيوات، بما فيها من تفاصيل صادقة توضح كل ما في هذه الحياة نزاعات ورغبات.

ما بين بيسوا وباڤيزي

يذكر بيسوا في يومياته، كتاب اللاطمأنينة، بعنوان استنطق الحياة: “لم أطلب سوى القليل من الحياة، وحتى ذلك القليل رفضت الحياة منحي إياه. طلبت حزمة ضوء من الشمس، حقلا، القليل من السكينة مع قليل من الخبز، إلا تثقل علي كثيرا معرفتي بأنني موجود ، وألا أطلب من الآخرين شيئا وألا يطالبونني هم بأي شيء. هذه الرغائب ذاتها تم تجاهلها، كمن يتجاهل الظل لا بسبب الافتقار إلى المشاعر الطيبة، وإنما لكي لا يتحتم عليه أن يفك أزرار السترة. أكتب، مكتئبا، في غرفتي الهادئة ، وحدي مثلما كنت، وحدي مثلما سأكون. وأفكر إن لم يكن صوتي، على ضآلة شأنه ظاهريا، يجسد جوهر آلاف الأصوات، والحاجة إلى التعبير لدى آلاف الحيوات، صبر آلاف الأرواح المذعنة مثل روحي، تحت شمس القدر اليومي، متشبثة بالحلم اللامجدي، والأمل الذي بلا بارقة. في هذه اللحظات ينبض قلبي نبضات أعلى بسبب إحساسي الحاد بنبضاته. أحيا زيادة على اللزوم لأنني أحيا على نحو أكبر وأعمق. أشعر في شخصي بقوة دينية، أشبه بنوع من الصلاة، أشبه بالشكوى. لكن رد الفعل ضدي من الذكاء يأتي. أراني في الطابق الرابع من شارع آلحالما أمارس الإحساس؛ أبصر فوق الورق نصف المكتوب، الحياة الباطلة الخالية من الجمال والسيجارة الرخيصة ، فوق النشاف العتيق. هنا أنا، في هذا الطابق الرابع، أستنطق الحياة، صانعا نثرا“.

ويذكر الإيطالي تشيزاري بافيزي في العاشر من نيسان: ” إلى الذين كذبوا علينا وقالوا أننا نعتاد الألم مع الوقت، أخبرونا إذًا كيف نزداد تألمًا مع مرّ السنين؟“.

عبدالحليم حافظ

ما بين كتابة الذكريات والغناء، يقول ابن القدر كما سمى نفسه: “عندما فكرة في كتابة مذكراتي، احسست أنني أريد أن أصرخ بكل ما حدث في عمري مرة واحدة، حب، وفاء، مرض، خيانة، صداقة، ألم، سعادة، رحلات إلى معظم بلاد الدنيا، باختصار، الحياة رحلة رائعة رغم كل ما فيها من الألم، والآن أحاول بهدوء أن أحكي للأوراق حكايتي“.

لا أحد يحفل

دربٌ طويل ليس فيه سواك، وحيد لأنك فعلا كذلك، وكل ما يعيش في داخلك من صراعات لا تستطيع التفوه بها، والتساؤلات المريبة التي تدينك، تثبت وحدتك، وخشيتك أن تكون في وخارج تلك الوحدة التي لا أحد يحفل بها حتى الذين أقسموا لك ثم غادروك، حتى أولئك الذين تشاركت معهم قسم الدم في طفولتك، ووحشة الطرقات، ليالي السمر، شقاوة الطفولة، فارقوك وإن لم يفعلوا، سيفعلون وهم معك.

يا أيها المنسي، كم أنت وحدك. في مشوارك الصباحي، أو حتى الليلي بحكم عدم انضباطية أوقات العمل، كل ذلك ليس إلّا صورة مصغرة لرحلة الحياة. لا فرق بينها وبين المشوار، كم أنت وحدك في صباحك وإن كنت بين الجموع، لكنّ دواخلك متمردةً على حاضرها وربما صباحها، غير راضية بفقرة معينة من كل هذا المشهد.

طريق

في صباحاتك وربما حتى في الهزيع الأخير من لياليك، في الطُرق التي تأخذك لوجهتك والتي لا تفعل، في انتظاراتك السعيدة والحزينة في الممرات. كم أنت وحدك لكن لست حرًا كما يذكر درويش. ما الذي يملأ تلك الوحدة التي قد تداهمك وأنت بين النّاس، ذكرياتك، أم حاضرك المريب، وربما انتظاراتك التي لا تختلف عن فلاديمير واستراجون في مسرحية انتظار غودو. هل سبق وقطعت مسافاتٍ طويلة وحدك، وأنت في درب أو في مكانك؟ ليست فارغة، بل أنت فيها تصارع زمنك في الماضي والحاضر، تحاول أن تخلق مشاهد كثيرة في الحب والعمل ومع إنسان أو آخر، وربما تحكم على أمورٍ كثيرة وفق هذه الخيالات أو أحلام اليقظة.

النفس

ما بين النفس وصاحبها كما بين المشرق والمغرب، كلاهما في جسد لكن دون أن يكونا على اتفاقٍ دائم. وأنت رهينة للنفس وتقلباتها ورغباتها، وإن حاولت كبح ذلك، إلا أنّ كل ما تريد يظهر في يقظتك ومنامك.

خيالك

يقول محمود درويش في قصيدته (وحدك). “أنت منسيٌّ وحرٌّ في خيالك”، قد تكون في جوف النسيان لكن دون أن تملك الحرية في تلك الأشياء التي تراودك في خيالاتك، أي وحدة أبشع من تلك التي لا يُسمع فيها سوى صرخات المُعذّبين خلف القضبان. كان للسجناء في تزمامارت تلك الوحدة البشعة والمخيفة، يذكر أحدهم في رواية تلك العتمة الباهرة ماذا بقي له من المشاهدة التي أسعفته في الوحدة: “آه من رائحة القهوة الصباحية والخبز المحمص، آه من وثر الشراشف الدافئة وشعر امرأة ترتدي ثيابها، آه من صياح الأولاد في ملعب المدرسة، ورقصة الدواري في كبد سماء صافية، ذات عصر! كم هي أشياء الحياة بسيطة وكم هي مرعبة حين لا تعود هنا، دونها المستحيل إلى الابد“.

كم أنت وحدك

صورة يائسة

حتى أنا هنا، وإن حاولت الكتابة لمهادنة الحياة، والتنفيس عن تكدس تلك الكلمات، والانتقام من ماضي وحاضر. أملك تلك الذكريات التي بالكاد تتضاءل أمام جريان الزمن، والمحظوظ من اتسمت ذاكرته بما يسعفه لمواجهة حاضره.

يذكر عبدالرحمن منيف في بادية الظلمات: “الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ما تتيح له دائما سفرا نحو الحرية، فإنها تصبح سجنه. وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام. وإذا كانت في حياة كل إنسان لحظات ومواقف لا تأبى أن تغادر الذاكرة، فليس لأنها الأهم، أو لأنها أعطت لحياته مسارًا ومعنى، إذ ربما لم تقع بنفس الدقة والتفاصيل التي يتخيلها أو يفترضها وإنما لفرط ما استعادها في ذاكرته بشكل معين، ربما الذي يتمناه، يومًا بعد آخر، فقد أصبحت وحدها الحقيقة، أو وهم الحقيقة”.

من حُسن وسوء الحظ أنني شاهدت فيلم “كفرناحوم” قصة طفل يصارع هذه الحياة البائسة. يقول بطل الفيلم الصغير زين: “ماذا سأتذكر من طفولتي؟ الضرب والإهانة والركل؟ أم ماذا؟” هذا هو بؤس الذاكرة التي لا تجد فيها سوى ما يزيدك حنقًا على لحظتك، ويحولك إلى إنسانٍ معدمٍ متهالك، أو وحشٍ دون رحمة.

صورة يائسة أن تكون الذاكرة جحيمك.

شخص يبحث عن الوحي

سؤال يتكرر على كل إنسان يبحث عن الإلهام في حياته، في كل مجالات الحياة، حتى وإن كان شخصا يبحث عن تصميمٍ معين لشيء يخصه وحده دون أن يكون على درايةٍ بهذه الكلمة أو ما يرادفها.

كشخص طبيعي في بقعة جغرافية واسعة وقليلة الخيارات، أو لنقل متعددة الخيارات الغريبة والتي تتشابه عند كثير من شرائح المجتمع؛ بسبب اعتيادهم على تلك الأمور التي لم تدرِك بعد تلك البيئة أن تجد بديلًا لها. انظروا حولكم في نهاية كل أسبوع، وأعني بذلك الأماكن العامة والخيارات المتاحة، كما يقال “مكانك سر” لا شيء جديد في ذلك، بحرٌ واحدٌ في جدة، أو لنقل ضفةٌ واحدة أضحت مرتعًا للجميع، وبشكلٍ مريع، تتكتل هنالك كلّ الفئات التي قد تجدها على بحيرةٍ واحدة في الغابة؛ لعدم وجود شيئًا آخر.

كشخصٍ طبيعي يقضي يومًا في بداية الأسبوع، أتصفح القنوات، الشبكات، المواقع وكذلك جديد الناس، لأشاهد فيلما بعد ثلاث ساعات من الحيرة، كان بعنوان Hitch من بطولة ويل سميث، وصادف أن طرح أحدهم سؤالا يقول فيه للآخر الذي بزغ نجمه في التسويق. من أين يأتيك الوحي؟ ليقول: من الصور في الحياة.

قس على ذلك كل الصورة المتحركة وغيرها، وتساؤلي لنفسي، وسؤالي للكل، هل من الممكن أن يأتي الإلهام من أماكن ليس فيها ما يدعو للإلهام.

يقول بعد ذلك لصاحبه وهو على مشارف نهاية النص: عظم الله أجرك، لا جديد في هكذا بقعة.

ارفع صوت خالد الملا.

لي مشهدي الخاص

لكل تلك الطرق التي مررت من خلالها مرارًا وربما لمرةٍ واحدة، لابد أنّها عبرت من خلال روحك؛ إما لصالحك أو غير ذلك. وتلك الأيام والمراحل التي ولّت، وأولئك الأشخاص، لهم جميعا نصيبا من هذه الذاكرة التي كانت شريكة الروح في تكوين واحتواء تلك الذكرى حتى وإن كانت لا تسرّ النفس، لا تستطيع الذاكرة أن تلغي حضورها إلّا بعدم إعطاءها أي فرصة لاجترار بعض تلك اللحظات.

يقول درويش: “ولي ذكريات/ ولدت كما تولد الناس/ وبيتٌ كثير النوافذ/ لي إخوة، أصدقاء، وسجن بنافذة باردة/ ولي موجةٌ خطفتها النوارس/ لي مشهدي الخاص”. لا تعقيب هنا إلّا عن هذا الشطر الأخير الذي ذكره الشاعر. “لي مشهدي الخاص”. تلك الحياة واللحظات التي مرّت على ظهر هذا الزمن لكنها لا تفارق هذا الكيان الإنساني أبدًا. في موجة الشغل والحياة اليومية، وقائمة الانتظارات. عند الجميع باختلاف الآماد، ليس هنالك شخصٌ لم يواجه تلك الذكرى التي تأخذه في لحظة مما بين يديه.

لي مشهدي الخاص في وسط معمعة الحياة، وانتظارات كل تلك الصالات والأماكن وحتى أضيق المساحات، لي مشهدي عن اللحظة أو الذكرى التي تداهمني وأنا خلف مقود السيارة لتعيدني لكل تلك الطفولة التي لا شيء فيها سوى مطاردتي إلى أين تذهب تلك الطيور، أو لمعرفة ما الذي تختبئ منه الشمس وإلى أين تذهب، ولماذا لا يستمر الجفن ثابتا دون حراك، وما الصورة السوداء التي تُظهِر لحظة إقفال عينيّ للنوم، وبطولاتي التي لم تعش طويلا معي، ولم يكن لها أي جماهير. كل تلك ذكريات عصفت بي وأنا في مكتب، أشاهد من نافذته في الطابق العاشر أطفالًا يلعبون.

فقط لو يدكِ/بسام حجار 

يجعلني مطمناً، ما يبعد عني خوف الليل ورعشة كائناته الغريبة ،أنني حين أنام أعلم أنني أذهب إلي يديك. لم أعد أضل الطريق إليهما.

الرحلة طويلة وشاقة في المسافة بين النافذة والسرير; كنت أخاف لأنني لم أكن أعلم إلي أين يفضي بي النوم كل ليلة. كنت أعلم أنه ليس موتاً، ليس يقظةً، بل يقظة الموت في خرافاته الملونة.

إلي أين يذهب جسمي في النوم. إلي أين تذهب عيناي. لكنني الآن حين أصل إليه أعلم أنني أجد وسادة لرأسي المتعب، لجسمي الضئيل.

صغيرتان يداك، لكنهما تتسعان لجسمي لشدة ما صار قليلاً، لشدة حضورك في غيابي. لا أخاف الآن أن يأخذني حلم رمادي إلي هاوية لا قاع لها، أعلم أن راحة يديكِ اليمني تفتح لي باباً إلي ضوءٍ قرين، وأن وجهي كحريق، ملمس راحة يديك اليسري. هل كنت غائباً إلي هذا الحد، أعني لا أجد من يدلني إلي نومي.من يمسك بيدي، ويدلني بين صحاري الأرق الطويل. الآن أعلم أنني أغفو حين يخطر لي أن يداً ، لك، تلوح لي بصباح آخر.فأنهض بإشراقتها، حين تفتح لي النافذة وتمسح النوم عن عيني فأعلم أنني، أخيراً، أحيا، لأنها توقظني كل صباح. ليست يدك. مروحةُ الأصابع الناعمة، لمسة خفيفة كالسماء، من التجاعيد التي في جبيني، إلي الورم الداكن تحت عيني. ثم دائرة الفم التي ترسمينها لابتسامة ما، ثم خط العنق حتي أعلي الصدر. أعلم الآن أن وجهي لا يضيع بين الوجوه، أنني، كلما أعود استرد قسماته كأن أصابعك إذ تتلمس الملامح تصنعها وجهاً أعرفه، وجهاً اعتدت عليه بعد أن أخذته المرآة في الصباحات السابقة، بعد أن ألغاه التعب.

يجعلني مطمئناً أن يديك تقتربان. وأن لمستهما تستيقظ الآن في جسمي الذي كنت أحسب أنه ميت. أو أنه استلقي لشهور في نوم مجرد. يمر به كل شيء دون أن يغادر حياده. جسم أصم. جسم أبكم. ثم أتت يداك. رسمت شكلا من طينة الضجر وكنت بعضاً من رقتها. من الحنان الذي يصنعنا ويجعلنا قابلين لأن ننكسر إذ نفتقده. إذ نحيا في غيبته الطويلة. الآن أعرف إلي أين أذهب، حين تضعني الحافلة علي رصيف الازدحام، أو حين تأخذني الغرفة إلي الأفكار السوداء. أعرف ما الذي افعله حين أحسب أن الوقت لا ينقضي، أنام وتأتي يداك في الحلم، أو يأتي الحلم في يديك. لأنني أحسب في نومي أن يديك تحلمان بارتباك من يجعل الطمأنينة لمسا، من يجعل اللمس يقظة الغياب.

هلا وضعت يدك الصغيرة علي قلبي لكي تزول عنه الصحراء. لكي تهرب الذئاب منه وصدي قفارها. لكي يرحل العنكبوت الذي يتنفس في رئتي، لكي يغادرني الخدر الذي ينتاب أشياء الرفوف والأدراج فأحسب أنني منها، لا يخلصني من الغبار إلا صباح الخادمة بأرياشها الاصطناعية ورقعتها البليلة الساحرة. هلا لمست بإصبعك صمت الغرفة، التي تغرقني بهوائها الفاسد وأشباحها التي تتدلي من السقف والجدران. أعرف الآن أنك إِذ تلمسين صخرة صدري يستيقظ نبض فأخرج من وقتي الحجري إلي وقتك الرطب. وأعلم أن يدك هي الخرافة  التي انتظرتها وصدقتها ولشدة ما صدقتها أصبحت تأتي إلي نومي وتسهر عليه. لذلك لم تعد تأخذني حفرة النوم. لم تعد تأكلني ذئاب النوم، حين أسير متعباً إلي سريري وأهبه جسمي، حين أستسلم إلي مجهوله.

لم أعد ابكي حين أراقب المطر يهطل في ليل العالم الذي يتسع وراء النافذة. لم أعد أرتجف خوفاً حين أستيقظ في الليل. وأري أنني وحدي. بتُّ أري الليل ظلاً ليديك، يغمرني ولا أضل فيه والمصابيح ذكري من لمستهما الخفيفة. كأن ضوءاً يتبع إيماءة اليد التي تمسح نومي بماء الدعة. وأعلم أنني بت ابتسم كلما صادفت الوحش الذي كان يفترس في الحديقة حلمي الوحيد. الآن بتُّ أري أن أفلاكاً تتقاطعُ في الخطوط التي تتلاقي في راحتك الزهرية. كأن السماء يرسمها خطان في راحتك، سماء قليلة لكنها تكفي لكي لا يموت العالم من الوحشة، لكي لا تلسعه الأفعي. فقط  لو يدك كانت هناك.

الآن أعرف لماذا كنت أبكي ولماذا الهاوية التي أسقط فيها تشبه صفحة بيضاء وخطّان في أسفلها ونجمة بالحبر الصيني، ومع ذلك تلمع. ولمعانها كان يعذبني. كان يكفي أن ترفعي، بلمسة رخام النوم الثقيل. وأن تأخذني يداك، قليلا بمقدار ما أحيا. كان يكفي أن تمسحي شفتي بطرف سبابتك لكي لا يعذبني النطق.

(باريس-أيلول 1986)

صورة متحركة، أشياء لا تُشترى

حتى وإن بدت فيها الابتسامات التي يخيّل أنها لا تنتهي، ماذا تحمل تلك الصور من مشاعرٍ خلفها؟

تلك التي دوّنت ووثقت لحظات قد لا تكون موجودةً الآن. ربما قصفها القدر، انتشلتها صروف الزمان، أو هناك من طمسها، لكن لا شيء يحدث دون ردة فعل تكون مشابهة لوجع الفقد الذي انتشل شخصًا أو لحظةً كانت موجودةً في تلك الصور.

بعد أن قضى ليله مترددًا بين تلك القصائد التي كانت وما زالت شغفه مذ دراسته للأدب الإنجليزي وتحديدًا مادة الشعر عند ذلك الدكتور الذي يصرخ بالقصائد وكأنه ليس أمام طلّاب، بل في مكانٍ ضخم كالكولوسيوم في روما والذي كان وما زال حديث زمانه، وقف عند قصيدة أمل دنقل الذي عُرف عنه، أنّه كان يوثّق قصائده على علبة السجائر؛ حتى لا ينساها. من أحشاء الصعيد ظهر أمل الذي سميّ بهذا الاسم في نفس العام الذي حقق فيه والده إجازة عالمية وهي الأستاذية في الأزهر.

إبان توقيع معاهدة السلام، لم يكن الجميع راضين، وأحد أولئك كان أمل دنقل الذي سيصرخ لاحقًا بالقصيدة الشهيرة والتي أضحت عنوانًا في الحياة، قصيدة (لا تصالح).

من خلال تلك الكلمات، نرى صوروا وأشرطة حياة، نرى تلك اللحظات التي ندافع عنها حتى الرمق الأخير. لماذا ندافع عنها؟ لأنها هي الحياة بالنسبة لنا. لذلك الصور في جدراننا أو أدراجنا أو في الأماكن التي لا يصل إليها أحد، ولو كانت أفئدتنا، لا يصح أن نقول عنها أنّها مجرّد صورة، فمن خلال تأملها نتجاوز الزمن وما فيه لنعود بالذاكرة إلى الخلف ونحكي عن تلك المرحلة التي كان فيها لنا أيام لا تُنسى، لنقول أنّها صورة متحركة، وهي من الأشياء التي لا تُشارك ولا تُشترى، ذكرياتنا وصورنا ولحظات الحياة التي هي شيءٌ في تكويننا ومن خلالها تُعرف الهوية.

“أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى؟ هي أشياء لا تُشترى.” يسأل الشاعر بكل حنق في قصيدة ديدنها الغضب، وعنوانها السخط على كل أولئك الذين لا يدركون أنّنا لن نتخلى عن أي جزء منا ولو كان يسيرًا، من جُلّ التفاصيل حتى دقّها ولو كانت لوحةً متحركة في جدار المنزل كان فيها لنا نصيب من الحياة.

من يقرأ هذه القصيدة سيقف مزمجرًا في الشطر الذي يذكر فيه دنقل السواد وثياب الحداد. في شطرٍ آخر من الأشياء التي لا تُشترى، يحاول الشاعر هنا أن يعيدك للوراء، لتخرج من القصيدة مبتسمًا وأنت تعيد ذكريات الطفولة عندما قال: “ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك، حسّكما فجأة بالرجولة” ويجعلك واقفا مع نفسك، وهو يسألك أقلب الغريب كقلب أخيك؟

حياتنا لا تخلو من تلك الأشياء التي لا تُشترى. ذكرياتنا في المهد، مسرّاتنا العائلية، مبادئنا التي تضاهي عقائدنا، هي أشياء لا تُشترى، ضحكة الأحبة وأمان الأطفال بين أيدينا، والابتسامات التي لا تُخشى عواقبها، الكرامة وراحة البال، الأحلام والآمال وكل الانتظارات، الشرف وأعين الأحبة. أشياء لا تشترى. كأن تستمر تلك الصور الجدارية مشعة بمن فيها دون أن تسقط .

في الكلمات كلّ الصور التي نبحث عنها.

ليل محمود درويش

لطالما أثرى حياتي هذا الشاعر بالكمّ الهائل من تلك المفردات التي تكاد تكون حيّة جرّاء تأثيرها. ما بين الليل والنهار، لا حياة للنفس بدون هذا الليل، الذي يملأ النفس طمأنينةً وراحة شريطة ألّا تسيطر عليه الأفكار الدخيلة والحنين.

وتحضر هذه الآية في قصائد درويش ليستهلّها بقصيدة “سيطول هذا الليل” مفسرًا علاقته وصموده ضد كل شيء متأبّطًا تاريخه ولغته. وفي قصيدةٍ أخرى ربما تبدو سوداويةً بعض الشيء، بيد أنّ ذلك ليس بالأمر الغريب على هذه النفس التي لا تصفو لها لياليها، والتي ينعكس فيها أحداث الصباحات، وربما ما تجترّه الذاكرة. يقول “هناك ليلٌ أشدّ سوادًا” ييدأ القصيدة بهذا اليأس ليعود من خلال النص ويختمها قائلًا “لكنني سأتابع مجرى النشيد”

ومن قصيدة ما أبطأ الليل حتى قصيدة خطوات في الليل، نجد درويش يعكس حالة كل واحد منّا في هذا الليل الذي يحتوي العالم تحت رداءه دون أن يلحظ ذلك أحد، ودون أن يفكر هذا الإنسان في تلك الأمور الواسعة والعديدة التي تقع تحت ستار هذا الليل، والتي بلا شك لا تُحصى.

وأحسبني وقفت طويلًا عند قصيدة نازك الملائكة مُذ قرابة عقد من الزمان، تلك القصيدة التي تتساءل فيها وتسأل، قصيدة “الليل يسألُ من أنا” ونازك الملائكة تُعتبر من أوائل الذين كتبوا الشعر الحر في الأدب العربي. ولها العديد من القصائد التي تُثبت علاقتها مع الليل كما هي علاقة إيفان إيفازوفسكي مع البحر والليل.

في عام 1931 غنّت أم كلثوم: الليل أهو طال، وعرف الجرح ميعاده.