ربيع الأيام

ما الإنسان؟ كائن رقيق حتى لو ملأ نفسه بالقسوة. وغالبا أو لنقل ربما دائما لا يحفل المارّة بذلك الإنسان الجالس على ذلك المقعد الخشبي. في يوم مشمس وأثناء مروري بأحد الممرات المحاذية لشاطئ البحر، سمعت تلك التنهيدة وأنا لم ابتعد عنه سوى سبعة خطوات. كانت صرخةً آتية من عُمق الفؤاد. كأيّ إنسانٍ سوي لم يسعني المرور هكذا. بل عدت أدراجي لأرى أمات ذلك الإنسان من دويّ تلك الصرخة الخارجة من ذلك الصدر المليء بأحداث وحكايات كما سنرى لاحقا؟. بعد أن مكثت بجانبه لمدّة لا تقل بطولها عن معزوفة عالمية. وجدت أنّ ذلك الشخص كان قد التفت إليّ بكل سرور وبابتسامة ساحرة، آملا من ذلك عدم إظهار تلك الحادثة التي وقعت قبل قليل. لكنني بادرت بالسؤال عن سبب تلك الصرخة. بينما هو يستعد للإجابة فاجأني بالمصافحة قبل أن ابدأ بها ثم أردف قائلا بأن يدي لا تزال غضّة، ولم ترى شيئا بعدُ من هذه الحياة. بعد ذلك أخذ نفسا عميقا ثم أسهب في الحديث عن تلك البدايات التي آلت به اليوم إلى مقعدٍ كهذا وأمام هذا المحيط الذي يكون تارةً صديقا وتارةً يصبّ غضبه على كل المتأملين على هذا الشاطئ. قال ذلك الشيخ بأن البحر كان الصديق الوحيد له مُذ أربعين عاما ولا شيء سوى البحر. بعد أن هدأ قليلا قال لي: ” كانت الحياة التي عشتها يا ولدي مليئة بالأحداث التي لم أدوّنها يوما وها هو القدر قد ساقك إليّ لتستمع إلى ما أودّ قوله مُذ أعوام. في شتاء سبعينيات القرن الماضي كان هنالك شركة قد تطوعت لنقل البضائع فيما بين الدول، وكنت حينها غرّا لا أعرف من هذه الحياة سوى التنقل من مكان إلى آخر. التحقت كالآخرين بتلك الرحلة آملا في تحقيق ذاتي والحصول على المال لأعود لتلك الفتاة التي أقسمنا على أن نلتقي ولو بعد حين. كانت أيامي ربيعا يا ابني. رحل بعدها واعدًا إياي بإكمال تلك الحكاية.