تفاصيل موظّف

في أول الصباح يستيقظ دون رغبة ليتفقد ما إذا كان الدوام قد دنا أم لا، يعود مرةً أخرى لفراشه، إنها عادة دأب عليها قرابة عامين. تدنو ساعات الاستيقاظ المريرة، يستيقظ بثقل على كتفيه جرّاء الليالي التي تارةً يسهرها وتارة يقضها في السّمر، ونادرًا ما يحدث ذلك. يذهب في عجالة للاهتمام بالاستحمام وتصفيف الشّعر ورؤية الكثافة في صدغيه، بعد أن تجاهل الحلاقة لأكثر من عشرين يومًا، لا عذر لديه سوى عدم وجود الوقت كما يقول. على مضض يحاول حمل تلك القمامة الملقاة بجانب الباب كشيءٍ روتيني في بداية يومه.

يركض عبر السلالم دون الالتفات لمن حوله في تلك الشقق المجاورة، ودون إلقاء التحية هذه المرة. يُطعِم الحاوية، ويعود لسيارته ليبدأ اليوم الذي دائمًا يخشى منتصف الطريق في مدينةٍ كهذه. يهيم بالقيادة في الشارع العام بعد أن ترك منطقته التي لا يجد فيها كل صباح سوى رجلٌ متقاعد يحب المشي، وعددًا من القطط التي انتهى بها الحال في ذلك الحي، الذي اتضح أنّه خيرٌ مكانٍ لعائلة تتكون من أربعة قطط كانت قد هاجرت للتو من حيٍّ عتيق.

يقود في بادئ الأمر بسرعةٍ جنونية على وقع أغنية ربما كان لها الدور في هكذا قيادة متهورة، يخالف الأنظمة بين أولئك الأغراب، ولا يهدأ حتى يرى رجل المرور الذي يبدو أنّه نام مبكرًا وتوعّد الطريق بالاهتمام به، من أولئك المتهورين. يبحث عن شيء في أحد أدراج السيارة، يبدو أنّه على وشك إشعال سيجارة؛ علّها تُبعد عنه المزاج الحاد الذي يأتِ مصاحبًا لهكذا صباح عقب السهر والأكل السيء الذي نعي كلنا عواقبه.

يصل العمل بكل سرور؛ فقد كسب الكثير من الوقت قبل بدء العمل الذي يكون خلفه ذلك المدير المنضبط والمبالِغ في انضباطيته. يلقي التحية ولا شيء غيرها، يستأذن في كوب قهوة وبعضًا من الماء، يبدأ يومه عندما تشير إلى الساعة إلى الموعد المعتاد، وهنا تبدأ الرحلة الأشد تعبًا عندما يخبر نفسه كل صباح أنّه تعب من مواجهة الجمهور، ولن يهدأ له بال، حتى يجد عملًا ليس فيه هذه المعركة التي تتطلب الكثير من الصبر والتحمل؛ لإكمال اليوم بسلام.

يهتم بالنقود، وتلك الأموال الطائلة ويلتفت إلى جيبه فيجده فارغًا، لا شيء فيه سوى القليل الذي يعينه على تحمّل يومه، دون الرجوع إلى حساباته البنكية، وكل هذا يأتِ استنادا على ميزانية معينة كان قد وضعها مُذ أن كان طالبًا لوحده إبّان المرحلة الجامعية. ولا يصبح لليوم معنى حتى تبدأ النقاشات بين الموظفين الذين تختلف آراؤهم واهتماماتهم باختلاف ميولهم لتلك الأشياء أو لا.

وبما أننا في هكذا مجتمع فقد لا تخرج أحاديثنا عن السياسة والذوق العام وكرة القدم وغيرها، كل ذلك وأنا منصت لهذه الأشياء، وأكتفي بالانصات لهذه الأشياء دون الحديث فيها، لأنه ملّ نصف اليوم الأول، ويفكر في نصف اليوم الثاني الذي يعود فيه لمسكنه، ليخرج، ليزور البحر، ليطوي الطرقات ليلًا، ليقضيه بعيدًا عن الكل.

أخيرًا، ينتهي اليوم الطويل، يخرج مسرعًا، يودّع الأصدقاء، يعود أدراجه، لكن لا يسلك طريق المنزل هذه المرة، بل يذهب إلى البحر، ليشاهد شيئًا يحتفظ به لنفسه، وهكذا ينتهي اليوم الذي يحتوي على حكاية ليس لها الكثير من التكرار؛ لأنّ التفاصيل هي الحكَم في هذه الأيام.