صوتٌ قديم

يوم كبقية الأيام، لا شيء فيه سواي، عالمٌ مليء بالصمت ومضرجٌ بالكلمات، لكن لا بوح ولا حديث. صمتٌ قابع في أسفل النفس ينمُّ عن فكرةٍ مشتعلة تأبى النضوب. وكل ذلك طبيعيًا لإنسان يعيش كالآخرين، له أيام وعليه مثلها، وأيامٌ يدعو فيها مولاه أن يجنّبه الصراع فيها. وكما جرت العادة التي تلازمه في نهاره، وتنتهي بانتهاء غروب يومه، والتي تقتضي بقلة كلمات الصباح حتى يبدأ اليوم في وضوح تام؛ وقد يكون ذلك نتيجة السهر لا السمر الذي يهلك البدن وما فيه من أعضاء، لكن لا مناص، فهذه هي حياة الجميع.

بعد أيام قضاها في خيالاتٍ ليلية نتيجة قراءاتٍ مبعثرة، ونصوص تبعث فيه الهدوء تارة والصراع تارة أخرى، وجد نفسه وقد حمل بندقيةً وسبر أغوار الغابة باحثًا عن شبيهٍ له قد رآه عند بداية الرحلة ثم اختفى.

يركض ثم يتوقف، يلهث وينظر للسماء، ويسمع حفيف الشجر وهدير الماء وغناء الطائر الحزين، ويبدو أنه توقف عند ذلك الطائر الذي شابهه في شعوره المؤقت والذي كان مؤمنا أشد الإيمان بأن يوما هكذا لا يعني أيامًا أخرى.

تأمل حاله وحال ذلك الطائر ثم استمر في السعي قاصدًا ما كان يسعى إليه، بيد أنّ الليل كان على وشك القدوم، امتزجت ألوان السماء، وكان للسواد رأيٌ أقوى.

كلما اقترب، شعر بذلك الشيء المريب والشبيه له. بدت خطواته تمشي الهوينا، ثم أدرك أنه سمع أنفاسا، ولم يرى شيئا. كان صوته هو ذلك الضباب الذي جرّه في المرة الأولى، كان صوته الذي جفّ مع مرور الأيام، لم ينبس ببنت شفه سوى جملة واحدة قال فيها: “لا تلتفت للوراء” ثم أكمل – ذلك الشيء الغريب الذي هو صوته – طريقه.

1 thought on “صوتٌ قديم

  1. يعيش الإنسان حقبة من الزمن وتعصف به الحياة حتى إذا ما استفاق لوهله ايقن انه لم يعد يعرف شيء أو أحدا حتى نفسه!.

    ماكتبت يشبه شيئا يقبع هنا الآن.

    إعجاب

التعليقات مغلقة.