حياة معنونة في يوم

يوم آخر بجانب البحر، لكنه لم يكن كالأيام السابقة. بعد الخروج بعناء من الحياة اليومية، تلك الحياة الملئية بعيوبها. وعقب يومه المتدني وهواجسه الليلية وعناء كل من وما حوله وإلتزامات الحاضر وضوضاء الطرقات وأنفاس الحشود وغزارة المفردات الردئية والمملة، قرر أن يبتعد عن محيطه ويختلي بنفسه كما اعتاد في لحظاته الأولى التي لا تغيب عن باله. تلك البدايات التي كان فيها وما زال مأوا لنفسه. لجأ إلى البحر دون أن يصطحب شئيا آخرسوى كتبا لم ياخذها إلا للرفقة؛ لأن البحر كان يغني عن جميع الحاضرين. الناس تلهو والأطفال يمرحون أمام البحر، ليس لهم غاية سوى الاستمتاع دون أي شيء آخر، وهذا يثبت مدى قيمة العمر في التعاطي مع الأمورفي الحياة. بعد أن أوقف سيارته بعيدًا عن الناس والازدحام المعتاد في هكذا أيام، ارتجل ومعه مقعد طالما رافقه في رحلته المقدسة، فكلاهما يدركان ما هو البحر. وكعادته كلما تداركه الصمت، بدأت الذاكرة في الانتفاضة على صمته، والحديث بكل ما فيها تباعًا للحظة المشابهة لأحداها. وليس هنا حسنةُ في الحديث عن الذاكرة.

في ثنايا اللحظات المليئة بالصمت، أكمل فصلًا متبقيًا من إحدى روايات كونديرا، التي أوشك على الانتهاء منها، تنفس الصعداء. أصوات النوارس، أصوات الأطفال، هدير الأمواج، دعواتُ تلوح في الآفاق، خليلان يصافحان الغروب، سيدة كبيرة تتأمل الغروب في وسط ضحكات وأصوات العائلة من حولها، شيخُ يقبل نحوه، يفاجئه ثم يجلس بجانبه دون أن ينبس ببنت شفة، يبدأ في الحديث بكل حرقة عن الأيام، يعم الصمت ثم يسهب في الحديث عن الحياة، الناس، الزمن الجميل الذي يبدو أنه لم يعد يدرك فيه من ملامح هذه الأيام. يضع يده على كتف الشاب ليخبره بأن اليوم هذا هو العمر الذي يستحق أن يُعاش دون غيره، يصافحه، ثمّ يهديه كتابًا كان شبيهًا باليوميات، لكنه عتيق نوعًا ما، يستأذنه الرحيل.

يوشك اليوم على نهايته، يحمل ما أتى به، يستعجل الزمن لكي يرى ما في ذلك الكتاب، يرحل من البحر بعد أن أخذ كفايته، يصل إلى داره بعد أن طوى المسافات، يفتح الكتاب ثم يعمّ الصمت، وتترقرق الأعين، وتتوالى الأنفاس. ينام به على صدره، ينتهي يومه الذي هو عنوان لحياته.