ابن القدر

ليس له من يومه سوى لحظات يودّ فيها أن يبتعد عن ذكر سالف اليوم الذي غالبًا يُستنزف في أمور الحياة من عمل وأشغال، وليس له سوى الاستمرارية فيها حتى يعيش، وإن كانت مرّة. يدنو المساء وكل ذلك بإشارةٍ من الغسق الذي يأتِ معلنًا حلول الليل. تقول نازك الملائكة في مطلع قصيدتها الغروب، “هبط الليل وما زال مكاني عند شطّ النهر، في الصمت العميق.ولا يقف هنا، بل له منظورٌ آخر في هذا الغروب الذي تغنّى به كثير، وكتب عنه العديد من الأدباء والكتّاب.

ينقضي اليوم، يدنو النوم ويستعد للغد بكل حرقه؛ لانتهاء يومه الذي يعنيه فيه آخره. لكنه يقف عند التلفاز آملًا في مشاهدة شيء جيد قبيل نومه، خصوصًا أنه مؤخرًا قد اقتنى تلفازًا في غرفته. يحاول العثور على ما يسليه عوضًا عن يومه الذي اشتكى فيها بما يكفي، كلها لحظات ويعثر على قناة اعتادت بثّ أغانٍ من الزمن العتيق، كانت هذه المرة مخصصة لابن القدر، ومن منّا لا يعرف من هو ابن القدر!

مكث يعيد الأيام والليالي وهو في ثنايا أغنية زيّ الهوى، التي أخذته بعيدًا جدًا عن الحال الذي هو فيه. لكن كلها لحظات ويعود إلى سابق عهده، خمول اليوم وتعب النهار. يبدو أنّ الليل طويل ومرهِق ولا شيء فيه سوى الانتظار، لكن انتظار ماذا! يبدو أنه هنا يعيد ذكر غودو المشهور في مسرحية انتظار غودو لصامويل بيكيت، والتي كانت واصفةً العبثية، تلك المسرحية التي استلهمها بيكت من لوحة كاسبر فريدريش لرجل وامرأة يشاهدان القمر.

وكما ذكر في كثيرٍ من قصصه وحكاياته أنه لم ولن ينسى هذه المسرحية التي شكّلت كثيرا من أفكاره وكان غودو آنذاك هو الشهادة الجامعية في نظره. حتى الآن لم ندرك من هو غودو، لكن ما زال منتظرًا كالآخرين. إذ يبدو حتى الآن أنه هو النوم.