المثقفون والمقاهي

لطالما كان للمقاهي نصيبًا أكبر في إنجاب المثقفين، وعلى رأسهم عملاق مقهى الفيشاوي نجيب محفوظ. ولو عدنا للماضي البعيد، لوجدنا أن محفوظ قال بنفسه “إن أغلب ما كتبت كان قد جرى في المقاهي، كنت أسمع تلك الحكايات من أصدقائي والحاضرين فأجعلها بعد ذلك مداداً لأعمالي.” هنا نجد مقهى الفيشاوي، ذلك الصرح العظيم الذي أسسه الحاج فهمي الفيشاوي في عام 1760، وأضحى ملاذًا لكثير من الأدباء والفنانين والشعراء، عباس العقاد، إحسان عبدالقدوس. حتى الرؤساء كان لهم نصيب من الزيارات آنذاك، السادات، جمال عبدالناصر. ولا أنسى أنّ ابن القدر عبدالحليم حافظ قد كان هناك أيضًا، إضافةً لأبو الفلسفة الوجودية جان بول سارتر ورفيقته سيمون دي بوفوار.
وفي مكانٍ آخر، هناك المقهى العتيق – لي دو ماغو- الذي كتب فيه جان بول سارتر كتابه الشهير( الوجود والعدم). في الحقيقة المقهى الذي تأسس في أربعينيات القرن العشرين، ضم الكثير من العمالقة، مثل سارتروسيمون دي بوفوار، كتبا ودخّنا كثيرًا هناك. أيضًا جزائري الأصل ألبير كامو الذي كان يفضّل الجلوس وحده، والأمريكي الشهير صاحب رواية (الشيخ والبحر) إرنست همنغواي ، وفينا يبدو أنّ الوجودية كانت شرارتها الأولى من هذا المكان. في هذا المكان الذي هو أشبه بجنة للأدباء والمفكرين وحتى الرسامين ومنهم بيكاسو الذي إلتقى بالمصورة بدورا ما (هينيربت ماركوفيتش) وأصبحت زوجته لاحقًا. تقول سيمون أثناء الحرب العالمية الثانية “كنت أشعر بأن المقهى أصبح جزءًا من العائلة.” في هذا المقهى هناك طاولة كانت خاصة للشاعر الأرجنتيني لويس بورخيس. وقد أصبح للمقهى جائزة أدبية سميت باسم المقهى وقيمتها ثلاثين ألف يورو، لكن وسائل الإعلام الفرنسية غير مهتمة بها؛ لتوجهها اليساري.
في العراق وتحديدًا في بغداد، هناك مقهى الزهاوي الذي ضم العديد من المفكرين والشعراء في ريعان شبابهم، كالجواهري والرصافي. والكثير من تلك المقاهي في آماد الأرض تناولت حكايات المجتمع وأفكاره، وحتى تلك الأشياء المسلية لهم كلعبة الشطرنج في مقهى لاريجونس الذي يُعتبر مهمًا لأوروبا كافةً من نهاية القرن السابع عشر حتى بداية العشرين.
حتى أنا وأنت، نحب المقاهي ونطلق فيه خيالاتنا، ونتحدث مع الآخرين، وقد نحاول الكتابة ونخلق للأفكار والكلمات المتكدسة أجنحة؛ لتحلق على الورق. بيد أنّهم في الماضي كانوا أشد تركيزًا على أوضاع وأحوال الناس وما يشغلهم، ورأينا ذالك في أعمال نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، سارتر وكامو.
وأنهي حديثي بكلمات درويش التي ذكر فيها المقهى كثيرًا، وأخص بذلك قصيدة: مقهى وأنت مع الجريدة وحدك. وأقف تحديدًا عند تلك المليئة بالحنين والشوق، يقول فيها: “إن أعادوا لك صوتك، فمن يعيد لك الكلمات؟ إن أعادوا لك المقاهي القديمة، فمن يعيد لك الرفاق؟