زوربا والحياة

لأجل هذا العمر القصير، والحياة التي لا تنفك عن إشغالنا ومعاملتنا كتلك الأمواج التي تكون تارةً في وداعة وتارات في غضب. لا شيء يعين الإنسان في حياته كالتجربة. يُشاع أنّ الكاتب نيكوس كازانتزاكيس التقى بشخصية تُدعى زوربا في حياته، حتى أنّه أعجب به واستمدّ منه إلهامه. لا أعلم إذا كان الحديث عن نيكوس بكونه كاتبًا أو شاعرًا كما يعتبر ذلك. يقول الكاتب قبيل الرحيل، وفي لحظاته الأخيرة: “أوتعلمون أنّ الشعراء لا يموتون، أو يكادون لا يموتون.”

لم يُمنح كازانتزاكيس جواز السفر للذهاب للولايات المتحدة؛ لغرض الزيارة. له في الأسفار صولاتٌ وجولات، لم يكن يسافر بغرض السياحة؛ بل ليعرف العالم، حضاراتهم، والطبيعة. يقول: “إنّ الرجاء الكبير للمسافر هو أن يجد في الأصقاع النائية الصور المعبّرة عن روحه فتعينه أن يخلّص غيره ويخلّص نفسه. كلما سافرت شعرت أنّ السفر لي حاجة إلى الحرية.” لا أحد ينكر إرث هذا الكاتب الذي عُرف دائما برواية زوربا. للكاتب محاولات عديدة في كل الحقول، شعرا ونثراوللمقالات نصيبٌ من قلمه. لهذا العملاق نفس طويل في حب الحياة والبحث عن المغامرة، وقد كان محبًا للأسفار، وكتب العديد من المقالات والنصوص عن رحلاته إلى روسيا، الصين، اليابان، ومعظم أوروبا، وصولًا إلى فلسطين ومصر. واهتم بالمراسلات في حياته، بينه وبين أهله ورفاقه، وكان أيضا مهتما بالترجمة، وقد ترجم العديد من الأعمال بفضل لغاته الخمس. لقد كان مولعًا بالشرق وقد كتب ذلك في مراسلاته لأقربائه. صورة من فيلم سينمائي، يحمل اسم الرواية العظيمة (زوربا).

كما هي العادة في حياتي، لا أُقدم على قراءة أي عمل حتى اهتم بحياة الكاتب واقرأ عن حياته بشكل تفصيلي. وحياة ما أنا بصدده لا تقل متعةً عن أعماله وما قدّم. من وجوه فكر نيكوس هو حب الحياة والحرية والتي تعني غياب الخوف والأمل. هذا الكاتب كان معارضًا للتمدن، خصوصًا عندما زار تلك البلدان ورأى أنّهم على وشك التوسع وإتلاف الحضارات السابقة وما بقى منها من صروح وتماثيل، وحدث هذا في زيارته لآسيا عندما دُهش من صروح سمرقند وبخارى في أوزبكستان تحديدًا. للكاتب فكرٌ جميل، وحبٌ للطبيعة والحياة. ولمعرفة نيكوس أكثر، أدعوكم لقراءة كتاب تقرير إلى غريكو.

نيكوس كازانتزاكيس في فلسطين، عشرينيات القرن الماضي.

زوربا. من منّا لا يريد مثل هذا الرجل في حياته؟ هذا العمل ينقل صورة عن كاتبها وفكره وما يسعى إليه في حياته. رسالة عظيمة توضح قيمة التجربة التي نراها في حياة وشخصية زوربا. رواية عن شخصين تربط بينهما علاقة مريبة، لكنهما ينسجمان معا بشكل كبير. يقول الكاتب عن شخص زوربا: “أدركت أنّ زوربا هو هذا الإنسان الذي كنت زمنًا طويلًا ابحث عنه ولا اعثر عليه. إنه قلب نابض بالحياة، وحنجرة دافئة، ونفس عظيمة على طبيعتها، لم ينقطع الحبل السري بعد بينها وبين أمها الأرض. ما هو جوهر الفن؟ أليس هو عشق الجمال؟.” وبرأيي زوربا هو نبذة عن الإنسان، تقلب المزاج، التمرد على الأعراف بطبيعة الإنسان، الخروج عن السيطرة، حب الحياة لاكتشاف ما فيها. في هذه الرواية نُدرك أنّ الحياة ليست كتبا فقط، الحياة مغامرة واكتشاف، سعي وراء التجارب. حتى أنّ رقصة زوربا أضحت فلكورا رائجًا في اليونان والعالم أجمع. لقد تعلم باسيل المثقف في هذه الرواية الكثير من زوربا. رواية لا تُنسى بدأت في مقهى في مرفأ بيرايوس. كاتب هذا العمل نيكوس كازانتزاكيس لاقى تقديرا عظيما فوق أدبه عندما قال ألبير كامو الذي ربح نوبل عام 1957، أنّ نيكوس أحقّ منه بهذه الجائزة.

زوربا، الحياة فن الانتصار على البؤس.