تساؤلات أبو حيان

للإنسان أشياء كثيرة يحبها، وتعني له في حياته، أكانت حيةً أو مضت مع الزمن. وكما اعتدت الخوض في القراءات المتنوعة؛ علّي بها أتفوق على نفسي في الماضي، وعلى الشخص الذي أراه أمامي في هذه الحياة، ولا أعلم إذا كان قريني أم ضميري أم هو الشخص الذي خُلق معي لينافسني فيما أحب. وكالعادة في حياتي وحياة الكثيرين الذين تشغلهم الحياة في منتصف اليوم الأول؛ إمّا لعمل، أو انتظار عمل، أو تجزيةً لهذا الوقت؛ الذي يعيد لنا نظرية العود الأبدي التي عُرف عنها قديما في الحضارات الهندية والمصرية، حتى أتى فريدريك نيتشه وتوسع فيها، وكتب عنها ألبير كامو في أسطورته الشهيرة (سيزيف).

في قراءات السير الذاتية، وحياة أولئك الناس الذين لم يبق سوى ذكرياتهم، وما قدموا للحياة. مكثت في الآونة الأخيرة اقرأ عن حياة أبي حيان التوحيدي والذي سلبني له؛ تلك التساؤلات التي بادرت إليّ من باب الخيالات التي تصيب الصبية في حيواتهم دون الجرأة عن الحديث عنها، وبالأصح دون الاهتمام لها؛ لضحالة الحياة العامة التي قد تكون قدرًا مؤلما لكل إنسان يطمح لتجاوز الآمال. تلك التساؤلات خلّدت التوحيدي في الأزمنة التي تلته، وقد كان بارعًا في كثيرٍ من العلوم والآداب. بيد أنّ حياته كانت مليئة بالصراعات والشقاء التي رافقته حتى لحظاته الأخيرة في حياته.

وقد كان لأبي حيان موقف من التساؤل، كان يراه على أنّه جوهر الوجود البشري نفسه. ولا غرابة في ذلك؛ فالتساؤل يدفع بالإنسان لاكتشاف حياة جديدة، وإحياءً للعقل من ناحية التفكير الذي يلمّ به. يقول الفيلسوف شوبنهاور: “أنّ الشخص الذي يملك عقلية فلسفية حقة، إنما هو ذلك الذي يتمتع بالقدرة على التعجب من الأحداث المألوفة وأمور الحياة العادية بحيث يتخذ موضوع دراسته من أكثر الأشياء ألفة وأشدها ابتذالا. وكلما قلّ حظ المرء من الذكاء، بدا له الوجود أقل غموضًا وأدنى سرية.”

استطاع التوحيدي في حياته تبسيط الأسئلة للناس كما فعل سقراط مع الجماهير، وكانت التساؤلات عن كل الأشياء في الحياة، وبسبب اهتمامه بالأدب وجوانبه، كان يهتم بتحديد المفاهيم وتوخي الدقة في التعبيرات اللفظية. يقول: “هل الوقت والزمان شيء واحد؟ والدهر والحين واحد؟ وإن كان كذا، فكيف يكون شيئان شيئا؟ وإن جازأن يكون شيئان شيئا واحدًا، هل يجوز أن يكون شيئا واحد شيئين اثنين؟” وللتوحيدي كتب عدة وأحاديث وأسمار عديدة، وقد اهتم بالإنسان وما له وما عليه كثيرا، حتى وصل للنفس والروح. يقول: “ما النفس؟ وما كمالها؟ وما الذي استفادت في هذا المكان؟، وبأي شيء باينت الروح؟ وما الروح؟ ومنفعتها؟ وما العقل، وما صنيعه؟”

وقد كتب كثيرا من تساؤلاته في (كتاب الامتاع والمؤانسة) ووقف عند الروح والنفس وقال فيهما: “لقد ظن العامة وكثير من أشباه الخاصة أنّ النفس هي الروح، وأنّه لا فرق بينهما إلا في اللفظ والتسمية، وهذا الظن مردود، لأن النفس جوهر قائم بنفسه، لا حاجة بها إلى ما تقوم به، وما هكذا الروح، فإنها محتاجة إلى مواد البدن وآلاته. والإنسان ليس إنسانا بالروح، بل بالنفس، ولو كان إنسانا بالروح، لم يكن بينه وبين الحمار فرق. لأنّ كلًا له روح ولكن لا نفس له. فليس كل ذو روح ذا نفس، ولكن كل ذي نفس ذو روح.”

وجلّ تساؤلات أبو حيان في كتاب الامتاع والمؤانسة، كتاب يروي ما جرى في سبع وثلاثين ليلة قضاها التوحيدي في مسامرة الوزير أبي عبدالله العارض. وفكرة الكتابكان أبو الوفا المهندس صديقًا مشتركًا للتوحيدي والوزير أبي عبد الله العارض، فقام أبو الوفا بذكر التوحيدي في حضرة الوزير، ومدحه بما يستحقه من مكانة، فجعل الوزيرُ التوحيديَّ من المقربين منه، على أن يسامره بما لديه من علم وأدب وثقافة، فحادثه التوحيدي ما يقارب سبعة وثلاثين ليلة، كان نتاجها ما جُمع فيما بعد في كتاب الإمتاع والمؤانسة“.

وكان للتوحيدي ما كان لأبناء عصره، ويذكر فيه ياقوت الحموي المؤرخ والجغرافي. “كان متفننًا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام على رأي المعتزلة، وكان جاحظيًّا يسلك في تصانيفه مسلكه، ويشتهي أن ينتظم في سلكه، فهو شيخٌ في الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء، فردُ الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن حفظه، واسع الرواية والدراية، وكان مع ذلك محدودًا محارفًا يتشكَّى صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه، ولم أرَ أحدًا من أهل العلم ذكره في كتاب ولا دمجه في خطاب، وهذا من أعجب العجاب“.

وهذا كله، غيضٌ من فيض، مما بقي من كتب أبو حيان التوحيدي الذي أحرقها لقلة جدواها وضنَّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته. منهاالإشارات الإلهية، المقابسات، ذم الوزيرين، الصداقة والصديق، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة. وليس لنا في الحياة سوى التساؤلات التي قد ترشدنا للكثير من الحقائق.