“سأحلُم” جدارية درويش

يومٌ مناسب لتأمّل السماء ورصيد الذكريات والطقس الذي قد يكون بشارةً لقادم الأيام. تستحضر النفس أجمل ما عندها ومن عندها في تلك اللحظات الجميلة، أكانت عيد ميلاد أو صوت مطر أو انجاز لا أحد يدركه سواك أو لحظات الفرح بما فيها. لا تمرُّ دون أن نبادر بالحديث إلى الأحبة، أو المشاركة؛ لأنّ الفرحة عامة، والنفس متلهفةً للفرح في أيامٍ كهذه.

الطريق مزدحم بالمركبات، والناس اتخذت الجو عذرا للخروج، وأنا أردد ما يعلق في الذاكرة من قول درويش في قصديته الشهيرة المليئة بالتساؤلات الوجودية: “أنا لست لي، لست لي.” وأنفرد بتفسيري الذي أراه فعلا في حيواتنا كلها، نحنُ ملكا للأشياء والآخرين والطبائع والغرائز؛ لا نملك أنفسنا وإن ادّعينا ذلك. لكننا نبحث عن الحياة ونسعى خلفها، ونريد ما يريد الآخرين وأكثر من ذلك. يقول في جداريته:”سأحلُم، ربما اتسعت بلادٌ لي، كما أنا.” وكما قال أحدهم: نربّي الإرادة بالشّعر.

الحلم أشبه بالأمل، بل يفوقه قوةً إذا استوطن الفؤاد وظلّ في داخل الإنسان، ينام ويصحو معه، له قدسيته وقوته في تحريك الحياة بداخلنا لتنعكس على خارجنا؛ لتعيننا على تحمّل الحياة وأعباءها، ومهما تنوعت أحلامنا، ستظل الشيء النفيس الذي يعيش ويموت معنا، وستظل قضيتنا كما هي أعين الأحبة بالنسبة لنا.

مع كل التساؤلات والاقتراحات والشواهد في قصيدة درويش، بل حتى كلمات الموت وأسباب الغياب، وتبدل الأحوال وكثرة هذيان الشاعر، إلّا أنّ النفس تريد أن تحلُم، وترمم ماضيها بطول الأمل واعتناق الحياة.

تتهاوى الذكريات السيئة على الإنسان الذي يحتفظ بجزءٍ منها، والأشد من ذلك؛ من تغنّى بها واستذكرها في حياته. “رأيت طبيبي الفرنسي، يفتح زنزانتي، ويضربني بالعصا.” يستذكر محمود العذابات التي طالت حياته أكانت معنوية أم جسدية. واستذكار حادثة دون البحث عن شفاء الغليل؛ لا يُهلك سوى نفس الإنسان. بيد أنني مؤمنٌ بأمل دنقل الذي قال: “لا تصالح، ولو منحوك الذهب، أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبّت جوهرتين مكانهما، هل ترى؟، هي أشياءٌ لا تُشترى.”

قيمة الذكريات تكمُن في الاحتفاظ بها بصورة تتيح للنفس الإطلاع عليها كلما داهمتها الأيام البائسة.