ألفرد آدلر والشجاعة

الحياة وخيباتها كأولئك الذين حتّم عليهم القدر ألّا يتفارقا مهما حدث في دورة الزمان، ولأنّ الحياة بما فيها قالبٌ للجميع فلابد أن توطّن النفس ذاتها على تقبّل السقوط والخيبة من الناس وخاصتهم، والأماكن وما هو مقدّس منها.

للبشر قيمة أساسية في حياة بعضهم؛ إما لجلب منفعة أو دفع مضرة، لكن هنالك ما هو أسمى من ذلك في حياتنا. ألا وهو إعانة الآخر على تحمل أعباء هذه الحياة بما فيها من مآسي لابد من حدوثها؛ لأن المكان الدنيوي بؤرةٌ لإشكاليات هذه الحياة. لا يغيب عن ذهني كلما قرأت في علم النفس العالِم ألفرد آدلر مؤسس علم النفس الفردي والذي يرى بأنّ القوة الدافعة في حياة الإنسان هي الشعور بالنقص وله الكثير من الخلافات مع سيجموند فرويد. بالمناسبة هذا التخصص الذي رغبت فيه طوال حياتي، لكن الأقدار كان لها رأيًا آخر. وهذا لم يجعلني أتوانى عن القراءة في هذا العلم الذي كان آدلر أحد أعمدته.

إبّان الحرب العالمية الأولى والتي شارك فيها ألفرد آدلر بصفته طبيبا نفسيا، صادف هنالك الكثير من الحالات، لكنّه وقف حالة واحدة. من الحالات التي ذكرها ألفرد آدلر، أنه عزل جنديين خلال الحرب أصابت كل منهما قذيفة أطاحت بذراعه، وبرئ كلاهما من الجراحة. عندما وضعت الحرب أوزارها، ومضت سنوات عديدة، لقيهما آدلر مصادفةً في ذات الوقت، وكلٌ على حده.

وجد الشخص الأول يشتكي من أيامه، وقد لفّ البؤس كل حياته، وقد تمنى الموت كثيرا على أن يكون في حالٍ كهذا، على خلاف الشخص الآخر الذي قال له أنّ يدًا واحدة تكفي للعيش، وقد استقرت حياته بعد الحرب ولديه زوجة وأبناء.

حينها استنتج آدلر من هذا التناقض بين الجنديين، بعد أن درس سلوكهما أو وبرّر التناقض من خلال الشجاعة التي تحلى بها أحدهما، ويعزو آدلر ذلك كله إلى الشجاعة في الطفولة، إذ يبدو أنّ الجندي الشجاع قد اعتاد على الشجاعة مذ نعومة أظفاره، في حين أنّ الآخر كان ضعيفا وجبانا في صباه. وفي أهم تفسير قاله هو أنّ كثيرًا من الأمراض تأتِ بسبب الخوف في حياتنا، خوفا من المبادرة، المشاركة، الإفصاح، المغامرة، خوض مرحلة ولو كانت على المدى القصير.

يقول إنّ “الشجاعة هي صحة النفس” ويفسر أنّ ما قد فات يُمكن أن يُعوض في حياتنا، بالمبادرة، بتوطين النفس، بتوقع الآتي، بالاستعداد لكل شيء. وأحسبني أعوّل على الأسرة ثم المجتمع في محاولة عدم قصّ أجنحتنا، وأقول لهم يكفي ما بقي لنا ريش قليل يساعدنا على التحليق. وأعزو كل الإشكاليات إلى المجتمع الذي قد يُهلك الآخر دون رجعة مرة أخرى.

وكما قال أحد القادة العسكريين: “إنّ الجيش لا يُهزم ما دام لا يعترف بالهزيمة.” وكما اعتدت أن أقول في حياتي ولكل من أدرك حياتي، مثلما قال إرنست همنغواي: “قد يُهزم الإنسان، ولكنه لا يموت، وغدًا يومٌ آخر.”