فرصة أخرى

يفلت يده ثم يعود في لحظة ليلتقطها مرًة أخرى، الكثير من المخاوف التي امتدت معه من نعومة أظفاره حتى إحاطته بالكثير من الأحفاد. لا زالت المخاوف جزءًا لا يتجزأ من تلك الحياة القصيرة التي وددنا لو أنّها لم تلتفت لتلك الأشياء المريبة في حياة الإنسان، حتى وإن كانت طبيعية.

يخاف من إفلات يد أمّه، من البقاء وحيدًا، من وجوده مع الأطفال الآخرين، يخاف الخطوات الأولى على قدميه بعد أن تمرّس الحبو، يخاف الاستناد على جدار المنزل، ينهض ليمشي ويركض، لكنه لا زال خائفًا من دون أبويه وهم في حديقةٍ كبيرة، يخاف اليوم الأول في المدرسة، يبكي ويصرخ لكنّه قد يُقابل بالأحضان من المعلمين الذين يدركون معنى الأبوة وما فيها، يتأقلم في خوف مع الأصحاب الأوائل في حياته، يشعر برهبة في المرة الأولى التي يعود من المدرسة للبيت، تتراكم شجاعته ليذهب إلى أقرب سوبرماركت لديهم، يتجاسر ليرفع صوته على الكاشير، يبدأ في معرفة ما حوله دوم خوف، يشتد عوده وحده دون إدراك حاجته لغيره، يحاول إثبات نفسه في المنزل وخارجه، لكنه ما زال خائفا من الخطوات القادمة، يستمع لنصائح عائلته بعدم البقاء خارج المنزل، لكنه يخاف أشباح الطرقات، يستقيم جسده، وتظهر علامات جسده لتفرحه تارة وتجعله في حيرةٍ تارات، يكبُر ليبدأ في اخبار عائلته عن قبوله في جامعةٍ بعيدة، يسافر وحيدًا، يقف أمام حياته ومصيره بين يديه، يخاف الآخرين لكنه يحتاجهم، يختلط بالناس وهو خائف، ينغمس في الملذات، يعاقر التجارب، يستغل ما في يديه، لكنه في رهبة، الحياة هي الحياة؛ لكنها آلت إلى حياةٍ لا تهدأ يريد فيها دون شبع، يعود كل ليلة وحده بعد الأصدقاء والمسامرات، لكنه خائف، حياة أفناها ما بين دراسته وأصدقائه لكنه لم يطمئن حتى الآن.

يصادف أن يخفق قلبه بالحب، هذه المرّة كانت على خلاف ما سبق، لكنه خائف مما بعد الحب، يعود في أيامه إلى غرفته وحده، لم يعد في حاجة إلى تلك الصداقات والمعارف والجموع بعد أن خفق قلبه، يمكث طويلا وحده، يقرأ حاضره، ويستمع لماضيه، لكن قلبه لم يهدأ منذ تلك اللحظة التي شعف فيها وكأنّه لم يفعل ذلك من قبل. يرتبط بحب، يعيش أيامه ولياليه في راحة، يوزن أوقاته حتى يعطي لمن أحب قلبه وما فيه، لكنه يخاف الأقدار، والمادة والحياة والتزاماتها، يرزق بالأبناء لكنه يخشى الأرزاق وماهيتها، يخاف وتخاف الرتابة والحياة التي لا دهشة فيها. يكبُر الأبناء وتكبر الحياة وحاجتها، يجتهد في عمله، يلقى فيه شغفه لكنه يخشى التقاعد، تتسارع نبضات قلبه كلّما ازدحمت أفكاره، يكبر الأبناء، يحال إلى التقاعد، ما زالت امرأته في العمل، قلّت كلماته المليئة بالحب، انشغل بهواجس العمر، يخاف الوحدة والفراغ.

في حادثةٍ محزنة توفت حبيبته التي كان أحد أدراجه مليئا برسائلها الورقية، تزوج الابن الأكبر، سافرت إلى الدراسة ابنته الصغرى، بقي وحيدًا خائفا كما بدأ أيامه الأولى. استمرت المخاوف معه في حياته؛ لأنه لم يدرك كيفية معايشتها كباقي أمور الحياة. رنّ المنبه بصوتٍ عالي جعله يستيقظ كما أنّه لم يفعل ذلك من قبل، التفت إلى جسمه، ركض للمرآة لينظر إلى ملامحه، فتّش محفظته، بطاقته الوطنية، رأى كتبه ومذكراته، فتح النافذة لينظر إلى ضوء النهار، وتفاصيل الحي. أدرك بعد ذلك أنّ كلّ ما بالأمس كان حُلمًا قاسيًا. كل ذلك كان درسًا له حتى يعيد النظر في حياته، وحتى لا يبخل بكلماته للأحبة، وحتى لا يتوانى عن إعطاء مشاعره لمن يستحقون. كل ذلك كان لأجل فرصةٍ أخرى.

1 thought on “فرصة أخرى

  1. نجحت في ايصال اسطرك إلى أعماقي، استرجعت في ذاكرتي فرص كثيرة ضيّعتها بسبب خوفي لكّني عزمت على التغلّب عليه. يقول نجيب محفوظ “الخوف لا يمنع الموت لكّنه يمنع الحياة.”

    Liked by 1 person

التعليقات مغلقة.