في الغياب

في أول الطريق ومنتصفه، حتى آخره. لا أريد لهذه الحياة أنّ تنتهي؛ لأنك فيها. كان كافكا مبسوطًا بتوقف المطر بعد أنّ كان مستمرًا ليومين وليلة، واحتفل بهذا التوقف. أمّا أنا وقد امتلأت بكل ما فيك من رحمة ورقّة، لا أريد لغيثك أن يتوقف، بل لا أريد لما بعد الغيث أن يتلاشى ويعقبه فصولٌ أخرى، أريد ربيع الأيام في قربك، وسكون العمر، والحياة التي قد تتضاءل لمشاركتها مع الآخرين، أريد كرسالة ذلك الشخص الوحيد الذي ادخل رسالتهُ زجاجةً ثم رمى بها في وسط المحيط بينما هو مستند على حافة الباخرة في أعماق الليل. للشجرة قيمة كلّما تقدّم بها العمر، لتعطي ثمارًا وظلًا وذكرى ولجوء وقد تصنع الذكريات للأطفال الأشقياء، أنتِ تلك الشجرة التي لم تجد الأقدار لك مكانًا سوى قلبي. وكلما أدركت ماهية عروق الشجرة وكيف اتصالها مع التربة وما فيها من صخور، أدركت تجذّرك في قلبي. بيد أنني في ثنايا العمر، وفي تلك اللحظات التي كبُرت فيها، أدركت كم كانت حياتي قبلك وبعدك مهجورة، كأنها منزلٌ وحيد أراه في كلّ مرة أتوجه فيها إلى مسقط رأسي. لكن السماء توقفت، والأرض جفّت، والطيور في قلبي هاجرت، وضحكات الطفولة تحولت إلى بكاء مرير، والزمن آه من هذا الزمن، لقد رأيته بطيئا دونك، بل لم أشعر به ولا أعلم عن بدايته ونهايته. وكلي أمل في غدٍ يجمعنا.

في ذكرى رحيل جدتي