النفَس الأخير

تسير الأيام بشكل متكرر وكأنها طبيعيةٌ جدًا لتلائم جدول يوم واحد مُذ بداية هذه الجائحة. يعيش طارق أيامه متنقلا ما بين العمل والمنزل دون أن يغير هذا الجدول إلّا للضرورة، وغالبا ما يفعل ذلك في أيامه؛ خشيًة من هذا المرض الذي فتك بالنّاس وما زالوا يتساءلون عن إذا كان من الصين أو خدعة أمريكية كما اعتاد النّاس ذلك منذ أن أدركنا حقيقة أفلام رامبو.

تتغير الأحداث، ومعها جدول طارق الذي أرهقه الاستيقاظ صباحا لهذا العمل. يتمرّد بدافع الملل الذي يشعر به في أيامه، يخرج عن المسار بشكل منحرف ليختلط بالنّاس والعامة، بعد أن استمع لأحاديث بعض الموهومين في تطوير الذات والذين يحاربون الشر والعالم السيء بالنوايا وسذاجة الكارما. بيد أنّه لم ينجو من ذلك المرض.

بعد يومٍ طويل لا عمل فيه، عاد مؤخرًا لمنزله لينعم بالراحة بعد أيامٍ قضاها في نفس الحالة، ليستلقي مع زوجته وطفليه، لكنه شعر بضيقة مفاجئة ظنّ في الوهلة الأولى أنّها طبيعية كتلك التي تزوره بشكلٍ دوري في هذه الحياة؛ لكن هذه المرّة كانت مختلفة، ضيقٌ شديد في صدره، أنفاس تصارع متشبثةً بالحياة، صرخات دفينة لا صدى لها، أصابع تُمدّ في الهواء، دموع تتساقط خوفًا ورهبة. تركض زوجته لتراه، ترفع التليفون، يباشر الإسعاف تلك الحالة، ينتشلونه للمستشفى.

يفتح عينيه ببطء، لا يدري أهو في القبر أم على السرير، يريد أن يمُد يده، يحركها على السرير، يضعها على بطنه، يقرص يده الثانية، يحرك أصابعه وكأنّه في حالة سجود، يصرخ، ينادي، يشير بيده، لكن لا أحد، ينام ويستيقظ لساعات، لا شيء هناك سوى برودة أطرافه. كل ذلك حتى التفت ولاحظ شخصًا آخر بجانبه، كلاهما يريدان النجاة، وكلاهما في موضع حرِج، يقول درويش: “في الانتظار يصيبني هوسٌ برصد الاحتمالات الكثيرة.”، يطول انتظارهما ويصرخان بشدة؛ لمعرفة القادم والتالي، يبدوان كأولئك الذين انتظروا غودو في مسرحية (انتظار غودو لصامويل بيكيت). بعدة مدة ليست بالقصيرة حضر الدكتور ليخبرهما بأنّهم مجبرين على مساعدة شخصٍ واحد ليعالج في العناية المركزة قسم الحالات الحرجة، ثم يخرج الدكتور محاوِلا إخفاء دموعه في مثل هذا الموقف.

يصرخون بل يجنّ جنونهم لدقائق تجاوزت النصف ساعة، يحفّهم الرعب كأنّهم في موقف دوستيوفيسكي عندما حُكم عليه بالإعدام في سيبيريا، والذي لم يتحدّث عنه سوى مرتين في حياته. يصرخ طارق والشيخ الذي بجانبه، تمرّ أحداث الحياة أمامهما على سقف الغرفة المطلّة على البحر الذي يصادف غروب الشمس، يريدان هذا المشهد لكن النفس تسترجع شريط الحياة، والإهمال الذي تكرر، والأمور التي يريدونها للمستقبل، وخطط هذا العام التي أجّلوها هم وحبيباتهم للعام القادم، يريدون أحضانًا أخيرة من أحبابهم لكن لا يستطيعون، يريدون تقبيل أبناءهم الذين في انتظارهم، يبكون ويناشدون الله بحرقة، لإن عادوا للحياة لما تمردوا على كل شيء فيها. هناك في الممر ممرضٌ مبتدئ يبكي بحرقة لسماعهم يبكون.

يعود الدكتور للمرة الأخيرة لينظر في أعينهم ويخبرهم بأنّ الشيخ هو الأولى بذلك الكرسي الشاغر، وكل ما على طارق هو أن يبقى وحيدًا حتى الشفاء أو الموت. يبكي طارق، يتوسل إلى ربه وإلى الدكتور وإلى الطائر الذي وقف على الشباك. يريد الحياة، بل يصرخ ويريد قول أشياء كثيرة قبل الوداع، يريد الوداع، يريد الودا…

1 thought on “النفَس الأخير

التعليقات مغلقة.