حياة واحدة

ما زلت مؤمنًا بما في هذا العام. بطل مسلسل رجال ماد دون دريبر يتقاعد بعد سنوات طويلة من مغامراته وحياته المتقلبة، وتذكرني هذه الشخصية كثيرًا بحياة ويليام ستونر، في رواية تحمل الاسم الثاني للكاتب جون ويليامز. حياة طويلة جدًا مليئة بالتفاصيل، لو أراد الإنسان أن يجعلها كذلك، لفعل ولو في عام واحد؛ أقول ذلك لي ولكل الذين لم تتسنى لهم الفرص، ولم تخضع الحياة لآمالهم، ولطالما فضّلت كلمة آمال على الأحلام. مع طول الحياة وما فيها، لا أظن أنّ هنالك وقت للوداع، وقد يكون هنالك حياة جميلة قبل ذلك وإن كانت قصيرة مدتها.

أردد القصائد وأريد أن أصرخ بها، أحاول مجاراة هذه الأيام، وهدوء المرحلة، والتغلب على المزاجية الملاحَظة في كل مكان؛ والتي قد تكون الفترة أهم سببٍ لها، وأريد أن أصرخ بصوت عالي؛ جرّاء هذا الصمت الذي نسعى له تارةً وتارات لا نريد فرضه علينا. أريد أن أتجاوز كل الحواجز التي صُنعت لنا، والتي صُنعت لي وحدي.

في الأيام التي أكون فيها مليئا بالرغبة للكتابة، تكفيني جملة واحدة، أو مشهدًا واحدًا لأكتب كثيرًا دون توقف. اكتب للآخرين، واكتب لنفسي. “كم هي المرات التي تسنّى لك فيها قول وداعًا؟”، ربما تكون محظوظًا لقول ذلك وربما لا. والجدير بالذكر أنّ كثيرًا من أمور الحياة لا نملك فيها وقتًا للوداع. لا أحب أن أتحدث بشكل كثير في هذا الموضوع؛ إِلَّا لأقول أنّ الحياة التي تسبق الوداع فيها الكثير من الفرص واللحظات التي قد تشكّل حكاية جميلة. يقول غابريل غارسيا ماركيز:”ما يهم في الحياة ليس هو ما يحدث لك، ولكن ماذا ستتذكر وكيف ستتذكر ذلك.”

في قصة أخرى لماركيز لا أعلم عن صحتها، لكنّها لا تُنسى أبدًا، معنونةً بدراما الخائب، يتحدّث فيها عن الشخص الذي ألقى بنفسه إلى الشارع من شقة في الطابق العاشر، وأثناء سقوطه راح يرى عبر النوافذ حيوات جيرانه الخاصة، المآسي المنزلية الصغيرة، علاقات الحب السرية، لحظات السعادة الخاطفة التي لم تصل أخبارها أبدًاإلى الدرجات المشتركة. بحيث أنّه في تلك اللحظة التي تهشّم فيها رأسه على رصيف الشارع، كان قد غيّر نظرته للعالم كليًا، وكان قد اقتنع بأنّ تلك الحياة التي هجرها للأبد عن طريق الباب الخاطئ، كانت تستحق أنّ تُعاش.

حياة واحدة نريد فيها الكثير، نبحث عن ما فاتنا وما سيفوتنا لاحقا مع الاضطراب الذي سيحدث نتيجة الخلل في الأيام؛ الذي قد ينشأ من مجتمع أو عالمنا الخاص والدقيق. حياة واحدة تستحق أن يقدّم لها الإنسان أكثر من هذا، خصوصا أنّ جزءا كبيرا منها ذهب هدرا نتيجة التحولات المجتمعية والعائلات الهشة. حياة واحدة تحتاج أن يجرّب المرء فيها دون هوادة، ودون عودة للوراء أو ندم، يحتاج أن يراكم الأعوام واللحظات الفائتة والأمنيات والرغبات في زمنٍ لا يُشغله شيئا سوى تحقيق ما عجز عنه سابقا لأسبابٍ واهية أو مخاوف.

حياة واحدة توشك أن تبدأ بعد أن قرّر صاحبها الإقدام

1 thought on “حياة واحدة

  1. أظنه مرتبط بحال الإنسان، يجري في كل اتجاه يمين و يسار يركض وراء سراب مخلفاً وراءه فرصة الهدوء و الاستكنان. سعي حثيث نحو ما نرموا إليه آمال و آمال نسعى إليها و لا ندري هل حين نصل سنجد ما كنا نأمله فيها أم لا.

    إعجاب

التعليقات مغلقة.