لا صوت

يوم ممل، بل يصاحبه ضيقةٌ في الصدر لا يُسمح من خلالها بمرور الكلمات المتكدسة مُذ سنين طويلة. لحياته وقعٌ رهيب لا أثر فيها لمفردات، بل أنفاسٌ مليئة بالحنق على أشياء كثيرة في حياته. أفواه كثيرة وإزعاجٌ أكثر، الصدى يتفاقم حتى يسيطر على ما كان يُسمى بالصوت، والنَّاس تحتدم حتى تصبح كتلةً بشرية لها صوتٌ مؤذي، ضوضاء النّاس يفوق المدينة بحجمها. كل ما كان عليه هو أن يغادر تلك الأماكن التي لا يُسمع فيها صوته، تلك الضيقة والفسيحة، حتى تتصاعد إرادته ليغادر نفسه.

تنهيدة طويلة تعادل ذكرى. يتمدّد على أريكة عاشت في بيتهم أكثر منه، ويُحكى أنّ والده قد ابتاعها من حراجٍ في بداية التسعينات، وكل عامٍ وهو يحاول تغيير ما عليها. يجلس القرفصاء، على بطنه، وممددًا على ظهره وعيناه تثير السقف الذي لم يُخرِج أي حكاية من المنزل، ناقمًا على أقداره وعلى حاضره، وعلى جُلّ ماضيه، بل حتى على عائلته التي يعزو لها دائما ما يحدث في أيامه.

لمحمد حياة صعبة بدأت من الوهلة الأولى التي اكتفى بالصمت، آملًا في أصوات الآخرين، صوت عائلته، معلميه، أصدقاء الحي، حتى ضميره كان يخرسه ليطغى على صمته، ومنذ تلك اللحظة والويلات تداهم حياته؛ حتى أضحى هاربًا فيها.

مرحلة شبيهة برجلٍ ليس له مهرب من مكانٍ بجانب فوهة بركان على وشك الاحتدام. هل يصدح بصوته، أم يوفّر طاقته، وهل يصرخ بغضبه حتى تخرج كلماتٌ من لهب، أم يمرّر المرحلة حتى تتوارى؟. كل ذلك وهو يتساءل بعد أن بلغ به ما بلغ من الانتظار في حياته التي لم يذكر فيها صوته سوى مرّة واحدة، كانت عندما أشار بيده إلى فتاةٍ غضّة تصبح لاحقًا ندَمه وأكبر خطاياه. ليلٌ جامح يمتد في بدنه، حتى أنّ النهار بشمسه وضوضاءه لا تغيّب عنه العتمة التي قد تكون على وشك الانتهاء.

يوشك الليل أن ينكمش، بعد أن طال في حياة محمد.