الصباح الأخير

كيف سيكون حال الإنسان لو أدرك وعلِم مسبقًا أنّ هذا الصباح هو الأخير؟. يا ترى هل سيعيد ترتيب الأمور في حياته من خلال يوم واحد، هل لديه متسع من الوقت لإعادة النظر في كل الأمور التي اتخذ فيها تلك القرارات. يقول فؤاد الفرحان: “كلّ فرح مؤجل، هو ندم مبكر لو تعلمون.” واستنادا على هكذا قول يعين على مهادنة اللحظة حتى لا تذهب سدى دون الاستحواذ عليها. كم من الأعمار أُهدرت في سبيل تأجيل اللحظات لقادم الأيام، ومن المؤسف تأجيل السعادة حتى يتوفران، الزمان والمكان.

يقول محمود درويش: “ولنا أحلامنا الصغرى، كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة، لم نحلم بأشياء عصية، نحن أحياء وباقون وللحلم بقية.” فعلا نحن أحياء بالأمل والحلم وسرقة كل ما في ثنايا اللحظة؛ حتى لا تغدو من الماضي الأجوف الذي لا ذكرى له.

يصدح صوت طلال مداح “ابتدت تحلى الحياة.” حتى مع قلة الموجود، وغياب الحضور، وتلاشي كل مُنتظر؛ لا يجدر تأجيل كل لحظة تستحق أن تُعاش. ويبدو أنّ تأجيل السعادة حتى نحصل على المراد؛ قد يُطفي شعلة في القلب، لابد أن تتغير مع صروف الدهر. ويحضرني حديث لغابريل ماركيز يذكر فيه أنّ القيمة في السعي لا في الوصول، أي أنّ القيمة الحقيقية تكمُن في اللحظة.

ولا أعلم عن صحة الكلمات الأخيرة التي قالها ماركيز عام 2008، بيد أنّها مؤثرة بشكل كبير وفيها خلاصة لحياة عريضة ملؤها الحب. يذكر فيها: “سأسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الجميع نيام. لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنّهم لن يكونوا عشاقا متى شاخوا، من دون أن يدروا أنّهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق. لأن الغد ليس مضمونا، سواء لشاب أو مسن، ربّما تكون في هذا اليوم المرّة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم، فلا تنتظر أكثر. تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولابد من أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه وقتا من أجل ابتسامة، أو عناق، أو كنت مشغولا كي ترسل لهم أمنية أخيرة. لو شاء ربي أن يهبني شيئا من حياة أخرى، فسأستثمرها بكل قواي. ربّما لن أقول كل ما أفكر به، لكنني حتما سأفكر في كل ما سأقوله، سأمنح الأشياء قيمتها.”