ماذا جنينا نحنُ يا أمّاه

لكل المنفيون والقابعون خلف القضبان المادية والوهمية، ولكل الذين فاتتهم الفرص بسبب الجغرافيا التي حتى لم يدركها الإدريسي، ولكل الذين كانوا على وشك الحصول على مرادهم، بيد أنّ الأقدار تعطلت لأسبابٍ دنيوية، ولكل الذين انتظروا وطال انتظارهم وتأملوا في الأيام حتى أخذلتهم، ولكل الذين أملوا وآملوا في واقعهم الصغير حتى داهمتهم بيروقراطية الأيام، فأضحوا في بثّ لا منقطع. لكل أولئك الذين شابهونا في الحيرة والأقدار واحتمالات الانتظار ولا نتيجة. أقول ربّما حان وقت الخروج عن المألوف، أو بالأصح الخروج عن رتابة النفس المعتاده على تقبّل واقعها المكرر، الذي لا يلائم حياة كلها آمال في واقع لا يعيش الأمل فيه طويلا.

رسالة من المنفى

محمود درويش يحمل قصيدة بذات الاسم، ساظل يتساءل فيها عن الحياة وهو في المنفى، قصيدة تدور حول المنفيين عن أوطانهم أو ربّما في أوطانهم، وأقف عند جزء من القصيدة نالَ منى ما نال. “الليل يا أمّاه ذئبٌ جائعٌ، يطارد الغريب أينما مضى، ماذا جنينا نحن يا أماه، حتى نموت مرتين، فمرةً نموت في الحياة، ومرةً نموت عند الموت. ودونما عنوان، ما قيمة الإنسان.”

فيكتور هوغو والمنفى

عشرون عامًا في المنفى، تلاشت أمم، وتهاوت حكومات، وتساقط حكّام، وما زال لكلماته دويّ حتى يومنا هذا. ومن الأمور التي كان لها التوهج في حياة وكلمات هوغو، هي صوت ضميره الذي لم يتوعك ولَم يهدأ أبدا. يقول: “يقظة الضمير من سباته. هي عظمة في الروح، ومجد وخلود”. كتب في منفاه البؤساء وعددا من المسرحيات، ومن خيرة أعماله “رسائل وأحاديث من المنفى”.

كلّنا في منفى حتى تجد الروح شيئا فردوسيا يُسمى وطن.