ثمّة آفاق

شروق لوس أنجلوس

قبل سنواتٍ طِوال، ذكر مؤلف رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” عبارة لا زالت تتردد أمامي، ولكثرة ذلك؛ حفظتها كالآخرين الذين يعيشون تلك الجملة التي أضحت شعارًا في حياتنا. “إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمّة آفاق كثيرة لابد أن تُزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كُتب كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجلّ العمر، سأكتب فيها جملًا واضحة بخطّ جريء.”

أنا والحياة

أريد من الحياة مثل إرادة المتنبي الذي ذكرها في قصيدته التي يملؤها الندم “بم التعلل”، وأريد أن أخلق من الكلمات مكوكًا لأبلغ الآماد، وأعيد للنفس رغباتها، وتلك الأجنحة. أريد من الغايات أعظمها ومن الرغبات أجلّها، أريد أن أطوّع الزمان؛ لأرضي هذه الروح التي دأبت على مخافة الحدود والأماكن الضيقة حتى باتت تنام في أعالي المنازل وفي ساحاته عوضًا عن مكانٍ ضئيل. أريد أن أقرأ الشِّعر في بلده، وأن أزور التاريخ وتراثه في متاحفه، وأريد أن أحلّق في سماواتي دون أن أتوارى عن بنادق الأقدار. أن أصرخ بما لا يعجبني، وما يخالف مبادئي، وأن أهجو مالا أحب، وأن أبلغ غايتي دون تردد أو حيرة. أريد أن أملك الحياة لا أن أحلم بها. أريد ما بعد الأحلام المكررة.

ما لا أريد

لا أريد أن أكون في المستقبل القريب رقمًا وظيفيًا، وإن كان حديث العقّاد قد شقّ رأسي كثيرًا عندنا ذكر أنّ الوظيفة ستكون رقّ القرن الواحد والعشرين، بيد أنّ هنالك ما يحييك وهنالك ما يُدفنك حتى تصبح آلة؛ لن تطول. لا أريد أن أحاصر في لغةٍ معينة حتى أصبح مفردةً واحدة أسمع صداها في حياتي، أريد التمرّد. لا أريد أن أكون محصورًا في مسميات مجتمعية مكررة بها أعيش سويًا وبدونها أنا شخصٌ مخالف، منبوذ. أريد أن أحلّق. لا أريد أن أخشى كل جديد بعد اليوم بسبب تلك الأُطر التي خُلقنا عليها، أريد أن أصهر وأذيب اللغة والواقع؛ لأشكل واقعي المختلف. لا أريد أن أخرج من جلباب أحد، أريد أن يكون لي جلبابي، عالمي، والغد المنتظر. لا أريد كل ما هو متعارفٌ عليه.

أريد أن أتجاوز التكرارية الواقعية؛ حتى لا أسخر من نفسي في النهاية.

3 thoughts on “ثمّة آفاق

  1. ” أريد أن أحلّق ” يا للتعبير 👌
    تدوينة ممتعة ، لكم تعجبني أحاديث النفس مع النفس ، الأحلام و الإرادات المخبَّأة حتى يتم الكشف عنها ، و هنا وُلد نص ثري ✨

    Liked by 1 person

التعليقات مغلقة.