ذكرى

بجانب نافذة العمل، وتحديدا في الدور الثامن، غفل عن عمله تماما؛ جرّاء ما شاهده على تلك الأرض التي رآها ومن عليها، يبدون صغارا كالنّمل. [وهذه عادة من ينظر للأمور من بعيد]. صبيةً يركضون تارةً ويلعبون الكرة تارةً أخرى. لا شيء سوى ذاكرة متدفقة وسط تلك المعمعة والأرقام، واللون البنّي الذي يملأ ذلك الجناح. ما هذه الذكرى التي تنتشل صاحبها بكل ما فيه من الزمكان!. “مثقلٌ بالذكريات وبالمكان” كما ذكر درويش، ولا شيء ليحقق في حياته توهّج تلك الأيام التي ما إن يسرح في خيالاته حتى يعود راكضًا للوراء. بيد أنّه حاول مؤخرًا أن يقتني موسوعة قرائية وأعمالا طِوال؛ لينتهج ذلك المثل الذي يُذكر فيه أنّ الحياة الأكثر إنشغالًا هي حياة سعيدة.

بعد يومٍ طويل في حياته جرّاء انغماسه في النصف الأول من يومه، الذي يقضيه في ثنايا عمله، وسابقًا في دراسته، وإن كان جدوله فارغًا، ما زال مؤمنًا بأنّ نصف اليوم الأول ليس له البتّه. ذكر نيتشه سابقًا أنّ “من لا يملك ثلثي يومه فهو عبد.” لكن ماذا لو كان شغوفًا محبًا لتلك الحياة التي وهِبت له، وماذا إذا كان قد لقي سعادته، وتحقيق ذاته في ذلك العمل، أو الجزء اليومي من حياته!. الكثير من المفاهيم بحاجةٍ إلى النقد مجددًا.

لكن هذا الشخص ما يزال دؤوبًا على هذا المنوال في حياته، متقوقعًا على ذاته، متسائلًا عن أمور وعادات حُقِن بها من مجتمعه وخصوصًا ذلك الصغير، محاوِلًا مواءمة نهاره؛ حتى يصل إلى ليله بسلام، في تلك الحياة المؤقتة التي اختار أن يكون فيها وحيدًا، وهي فعلا حياة مؤقتة رغمًا عنه وعن الآخرين الذين لا يدركون مرحلية كل مرحلة، وإن كانت أعوامًا أو عقدًا وربما أكثر. حياة ليست بتلك الوضوح، لكنها مليئة بما يرضي الفؤاد، ولو كان شيئا مؤقتًا.

يصدح صوتٌ أنثوي” كم ملأنا زورق الليل حنينا.” ويبدو أنّ هذا إيذانًا بولوج ليله، وتواري نهاره وما فيه، حتى أنّ لا يحب العودة لمسائل أنهره. إضاءة خافته، خياراتٌ عديدة في محيطه الضئيل، عدة أصدقاء لكنهم تيبّسوا على الرف، وإتصالات مهملة وكذلك العديد من الرسائل.

يدير التلفاز، يطفئ موسيقاه التي تصدح في منزله، أو بالأخرى غرفته التي يُرى من الخارج نورٌ خافت، ويتبادر للمارة في الوهلة الأولى أنّ صاحب الدار يستعد لمستقبله، أو يناجي ربّه. لكنهم لم يفكروا يومًا أنّ ليله لا يحكمه سوى الذكريات.

الذكرى عاملٌ مهم في إدارة ما يسمى بالزمن.