المرة الأولى من كل شيء

غروب جدة

لحظات

اللحظة الأولى التي ذكر فيها والدي كلمة “البحر” بعد أيامٍ مثقلة تطلّبت إجازة قصيرة، لم يكن وقتها هنالك أي فكرة عن هذا الذي في الغيب. لم أكن أُدرك ما هذا الأمر، هل هو مخلوق، من صُنع الإنسان، مكانٌ يسمى بهذا الاسم؟. ليس هنالك أي دراية عن هذا الأمر سوى بعض المشاهد التي كنت أحدّق في صورةٍ مهيبة لكائنٍ أزرق، يتخلله ارتطاماتٌ شاهقة كالجبال، في التلفاز الذي كان مزارًا لهذا العالم في الصغر. لا شك أنّ البحر كان وما زال مصدرًا لإلهام الكثيرين في الحاضر كما في الماضي.

هرمان ملفيل والبحر

بحرٌ يزمجر، أمواجٌ تتكسر، وحيتان تقاوم عصبةً ضئيلة مقارنةً بتلك الأحجام والمخلوقات التي في هذا المحيط الواسع، الذي تدور حكايته في رواية موبي ديك للكاتب هرمان ملفيل 1851، الملحمة الأمريكية الشهيرة. لا شك أنّ القبطان أهاب لم يتوانى عن صيد الحيتان رغم فقدانه لقدمه في رحلة صيدٍ سابقة. وقد اشتهر ملفيل بحبه للبحر وكرّس وقته لكتابة أعماله حول هذا الأزرق. هنالك عملٌ آخر لملفيل بعنوان (البحار الوسيم بيلي بد). يحكي فيه عن حياة العمال والبحر وكل ما يخالج نفوسهم. نشرت بعد وفاته بثلاثة عقود.

هدير

لا شيء سوى رمزية همنغواي في الشيخ والبحر، لكنّها وإن كانت سوداوية، تتسم بإحدى الجُمل التي رسخت مع مرور الأيام، يقول فيها: “قد يُهزم الإنسان ولكنه لا يموت. وغدًا يومٌ آخر. والبحر في شعر محمود درويش لهٌ هديرٌ كما في الواقع. “للبحر مهنته القديمة، مدٌ وجزر.” ويقول في قصيدته (في حضرة الغياب) “فكيف يسجن البحر في أحرف ثلاثة، ثانيها طاف بالملح. كيف تتسع الحروف لكل هذه الكلمات؟ وكيف تتسع الكلمات لاحتضان العالم؟.”

والبحر مادة دسمة في الأدب سواءً نثرًا أو شعرًا، ولم يتجاوز الشعراء قديمًا، مثل المتنبي الذي يحذّر منه: “هو البحر غُص في إذا كان ساكنًا..على الدُّرّ واحذرهُ إذا كان مزْبِدا.” حتى أنّ الأمم السابقة لم تتوانى عن وضع إله للبحر عند الرومان الذين أسموه (نبتون).

في الأغنية

“يا بحر موجك علي عالي.” حتى الأغنيات لم تتجاوز وجود البحر فيها. فيروز وليلى مراد، وأبو نورة عندما ذكر “بحر الأماني، ماله موانئ.”

وأناشيد البحّاره والنواخذه، خير دليل على توطيد العلاقة مع البحر، أو اتقاء سكونه المريع في أعماقه.

وصول

اللحظة التي وصلت فيها لأول مرة في حياتي للبحر، لم يلبث في الذاكرة أي كلمة سوى هدير البحر وزرقته، رغم كل الكلمات التي تداولناها قبيل الغروب وحتى تلاشي الشمس.