امرأة تترجّل خارج سيارتها

قصة قصيرة لميلان كونديرا

تسير سيارة صغيرة على طول الطريق حذو النهر. نسمة الصباح الباردة تجعل من الأرض الكئيبة أكثر بؤسا في مكان ما بين حافّة ضاحية المدينة والريف الممتدّ أين يتضاءل عدد البيوت ويغيب المترجّلون عن مجال الرؤية. تتوقّف السيّارة على جانب الطريق فتنزل امرأة جميلة جدّا ويحدث أمر غريب: بلامبالاة شديدة تدفع باب السيّارة فلا ينغلق تماما.
ما معني تلك اللامبالاة؟ إنّه لأمر لا يصدّق في أيّام تعجّ باللصوص كهذه الأيّام؟
أتكون المرأة شاردة الذهن إلى هذا الحدّ؟

لا، لا تبدو شاردة الذهن، فعلى العكس من ذلك كان الإصرار باديا على وجهها. هذه المرأة تعرف ماذا تريد. هذه المرأة محض إرادة. مشت بعض مئات الياردات على طول الطريق، نحو جسر معلّق على النهر، جسر عال، ضيّق وممنوع على العربات. تقدّمت بعض خطوات نحو حافّة النهر البعيدة. نظرت حولها عدّة مرّات لا كامرأة على موعد مع أحدهم وإنّما لتتأكّد أنّ لا أحد يراها. في منتصف الجسر تتوقّف. لوهلة تبدو متردّدة لكن لا ليس تردّدا أو خفوتا عن الإصرار، على العكس من ذلك، إنّها وقفة لتشحذ تركيزها، لتجعل إرادتها أكثر صلابة. إرادتها؟ بل كرهها، حتى تكون أكثر دقّة. نعم الوقفة التي بدت كتردّد هي في الحقيقة استحضار لكرهها حتى يقف إلى جانبها، حتى يدعمها وحتى لا يتخلّى عنها للحظة.

رفعت ساقها فوق حافّة الجسر الحديديّة وألقت بنفسها في الفراغ. في نهاية سقطتها ارتطمت بشدّة على سطح الماء المتصلّب فخدّرت برودة الماء جميع أطرافها لكنها رفعت وجهها إثر لحظات قصيرة وبما أنّها سبّاحة جيّدة اندفعت كلّ ردود فعلها بقوّة تلقائيّا لتحول دون رغبتها في الموت. سحبت رأسها أسفل الماء مجدّدا مجبرة نفسها على ابتلاع الماء لتمنع نفسها من التنفّس. فجأة سمعت صرخة، صرخة قادمة من ضفّة النهر البعيدة. أحدهم كان قد رآها. فأدركت أن الموت لن يكون أمرا سهلا، وأنّ عدوّها الأعظم لن يكون عدم قدرتها على كبح ردّة فعل السبّاحة الماهرة فيها وإنّما شخص لم تكن قادرة على معرفة هويّته. سيكون عليها أن تصارع، أن تصارع من أجل إنقاذ رغبتها في الموت.

3 thoughts on “امرأة تترجّل خارج سيارتها

التعليقات مغلقة.