ليل محمود درويش

لطالما أثرى حياتي هذا الشاعر بالكمّ الهائل من تلك المفردات التي تكاد تكون حيّة جرّاء تأثيرها. ما بين النور والظلام، لا حياة للنفس بدون هذا الليل، الذي يملؤها طمأنينةً وراحة شريطة ألّا تسيطر عليه الأفكار الدخيلة والحنين.

وتحضر هذه الآية في قصائد درويش ليستهلّها بقصيدة “سيطول هذا الليل” مفسرًا علاقته وصموده ضد كل شيء متأبّطًا تاريخه ولغته. وفي قصيدةٍ أخرى ربما تبدو سوداويةً بعض الشيء، بيد أنّ ذلك ليس بالأمر الغريب على هذه النفس التي لا تصفو لها لياليها، والتي ينعكس فيها أحداث الصباحات، وربما ما تجترّه الذاكرة. يقول “هناك ليلٌ أشدّ سوادًا” ييدأ القصيدة بهذا اليأس ليعود من خلال النص ويختمها قائلًا “لكنني سأتابع مجرى النشيد”

الليل يسأل من أنا

ومن قصيدة ما أبطأ الليل حتى قصيدة خطوات في الليل، نجد درويش يعكس حالة كل واحد منّا في هذا الليل الذي يحتوي العالم تحت رداءه دون أن يلحظ ذلك أحد، ودون أن يفكر هذا الإنسان في تلك الأمور الواسعة والعديدة التي تقع تحت ستار هذا الليل، والتي بلا شك لا تُحصى.

وأحسبني وقفت طويلًا عند قصيدة نازك الملائكة مُذ قرابة عقد من الزمان، تلك القصيدة التي تتساءل فيها وتسأل، قصيدة “الليل يسألُ من أنا” ونازك الملائكة تُعتبر من أوائل الذين كتبوا الشعر الحر في الأدب العربي. ولها العديد من القصائد التي تُثبت علاقتها مع الليل كما هي علاقة إيفان إيفازوفسكي مع البحر والليل.

ربما كان الليل يغري الكاتب بصمته وهدوئه للإنصات والتفكر والبكاء أو الشوق والحنين والانتظار. الليل هو السكون والجمال والهيبة والخوف والبرد والدفء، لهذا أخذ الليل مساحة شاسعة في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث

الكتابة ليلًا

ربما نجد ما هو أغرب من الكتابة ليلًا؛ وهو ذلك الشعور المصاحب للكتابة، الذي من خلاله تتدفق آلاف الأفكار بناءً على الذاكرة وهذا الصمت المهاب.

يقول وجدي الأهدل – روائي يمني- حين أقرر أن أكتب في الليل، فهذا يعني أني قد بلغت الحضيض الأسفل من اليأس والإحباط

لكن هناك من هو أفضل حديثًا عن الليل من وجدي وممدوح فراج، وهو من أرض الطيب صالح، يقال له أسامة رقيعة، يقول: “لليل بنات، هواجس وأفكار، ذكريات وهموم، والكاتب بطبعه فدائي يحمل همّ الآخرين ويحلم لأفراد مجتمعه وينضد أمنياته لهم، وحتى حين يرسم الجمال والإبداع فإنه يُحضِرُ فيه الآخرين ويخصُّهم به، ويثير مكامن الجمال لديهم، لذلك ظل الليل ملتقى لكل كاتب مع أحلامه وأفكاره وأمنياته وآلامه أيضا، يناجيها ثم يستدعي الكلمات، كي تحملها لمن أراد.

والليل وقت ناعم تسكن فيه الأشياء عن ضجيجها ليبرز ضجيج الأفكار وتنجلي المشاعر ويحضر الإلهام وتتقد الأشواق على مواقد الحنين. حينما كنت يافعا كان والديرحمة اللهحريصا على اصطحابنا إلى قريتنا الصغيرة «طيبة الخواض» في ريف مدينة شندي في وسط السودان، وكنت وقتها مندهشا لشدة ضياء القمر في أوقات اكتماله بدرا، فأمضي النهار متعجلا أحارب فيه الملل بتتبع العصافير الصغيرة وكنا نسميها (الزرازير) أو بنصب الشرك لاصطياد طير القماري، وكان النهار عدا ذلك راكدا، بل مليئا بالملل والفراغ، خاصة أن فعل تتبع العصافير واصطياد القماري كان فعلا مكررا ومعادا، ولكنه كان أكثر أفعال نهارنا التي تهيّئ لنا خيالات الليل.

حينما استلقي على الفراش في وسط الحوش الكبير لا يحجبني عن البدر المستدير سوى هذا الفضاء الواسع الممتلئ بالنجوم، ثم استمع لجدتي وهي تحدثني وتجذب انتباهي إلى التصاوير التي تبدو لنا على سطح القمر، فأحيانا تصير امرأة تمشط شعر صبيتها، وأحيانا أخرى تبدو مثل كتاب مفتوح فيه سر هذا الكون العظيم، ثم لا يفوت جدتي أن تُظهر مقدرتها على تحديد مواقع النجوم وأشكالها فهذه العقرب، وتلك العصا، والى جوارها الثريا. كان الليل حافلا بالحديث والخيالات والنجوم التي تلمع في صفاءٍ، وكنت حينها أحس بأن الدنيا كلها صافية كسطح هذا القمر، ناعمة وبريئة كصوت جدتي.”

ما قبل الكتابة

لابد أن نشكر تلك الأشياء والقصص والموروث الذي ساعدنا في هذا الخيال اللانهائي، الذي بدوره يفتح لنا هذه الآفاق. يقول أحدهم: الليل ملاذ من غولة النهار. وأنا بدوري أؤيد هذا الشيء؛ لأننا دائمًا بحاجةٍ لكل هذا البعد.

الإعلان