صورة يائسة

حتى أنا هنا، وإن حاولت الكتابة لمهادنة الحياة، والتنفيس عن تكدس تلك الكلمات، والانتقام من ماضي وحاضر. أملك تلك الذكريات التي بالكاد تتضاءل أمام جريان الزمن، والمحظوظ من اتسمت ذاكرته بما يسعفه لمواجهة حاضره.

يذكر عبدالرحمن منيف في بادية الظلمات: “الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ما تتيح له دائما سفرا نحو الحرية، فإنها تصبح سجنه. وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام. وإذا كانت في حياة كل إنسان لحظات ومواقف لا تأبى أن تغادر الذاكرة، فليس لأنها الأهم، أو لأنها أعطت لحياته مسارًا ومعنى، إذ ربما لم تقع بنفس الدقة والتفاصيل التي يتخيلها أو يفترضها وإنما لفرط ما استعادها في ذاكرته بشكل معين، ربما الذي يتمناه، يومًا بعد آخر، فقد أصبحت وحدها الحقيقة، أو وهم الحقيقة”.

من حُسن وسوء الحظ أنني شاهدت فيلم “كفرناحوم” قصة طفل يصارع هذه الحياة البائسة. يقول بطل الفيلم الصغير زين: “ماذا سأتذكر من طفولتي؟ الضرب والإهانة والركل؟ أم ماذا؟” هذا هو بؤس الذاكرة التي لا تجد فيها سوى ما يزيدك حنقًا على لحظتك، ويحولك إلى إنسانٍ معدمٍ متهالك، أو وحشٍ دون رحمة.

صورة يائسة أن تكون الذاكرة جحيمك.