لا أحد يحفل

دربٌ طويل ليس فيه سواك، وحيد لأنك فعلا كذلك، وكل ما يعيش في داخلك من صراعات لا تستطيع التفوه بها، والتساؤلات المريبة التي تدينك، تثبت وحدتك، وخشيتك أن تكون في وخارج تلك الوحدة التي لا أحد يحفل بها حتى الذين أقسموا لك ثم غادروك، حتى أولئك الذين تشاركت معهم قسم الدم في طفولتك، ووحشة الطرقات، ليالي السمر، شقاوة الطفولة، فارقوك وإن لم يفعلوا، سيفعلون وهم معك.

يا أيها المنسي، كم أنت وحدك. في مشوارك الصباحي، أو حتى الليلي بحكم عدم انضباطية أوقات العمل، كل ذلك ليس إلّا صورة مصغرة لرحلة الحياة. لا فرق بينها وبين المشوار، كم أنت وحدك في صباحك وإن كنت بين الجموع، لكنّ دواخلك متمردةً على حاضرها وربما صباحها، غير راضية بفقرة معينة من كل هذا المشهد.

طريق

في صباحاتك وربما حتى في الهزيع الأخير من لياليك، في الطُرق التي تأخذك لوجهتك والتي لا تفعل، في انتظاراتك السعيدة والحزينة في الممرات. كم أنت وحدك لكن لست حرًا كما يذكر درويش. ما الذي يملأ تلك الوحدة التي قد تداهمك وأنت بين النّاس، ذكرياتك، أم حاضرك المريب، وربما انتظاراتك التي لا تختلف عن فلاديمير واستراجون في مسرحية انتظار غودو. هل سبق وقطعت مسافاتٍ طويلة وحدك، وأنت في درب أو في مكانك؟ ليست فارغة، بل أنت فيها تصارع زمنك في الماضي والحاضر، تحاول أن تخلق مشاهد كثيرة في الحب والعمل ومع إنسان أو آخر، وربما تحكم على أمورٍ كثيرة وفق هذه الخيالات أو أحلام اليقظة.

النفس

ما بين النفس وصاحبها كما بين المشرق والمغرب، كلاهما في جسد لكن دون أن يكونا على اتفاقٍ دائم. وأنت رهينة للنفس وتقلباتها ورغباتها، وإن حاولت كبح ذلك، إلا أنّ كل ما تريد يظهر في يقظتك ومنامك.

خيالك

يقول محمود درويش في قصيدته (وحدك). “أنت منسيٌّ وحرٌّ في خيالك”، قد تكون في جوف النسيان لكن دون أن تملك الحرية في تلك الأشياء التي تراودك في خيالاتك، أي وحدة أبشع من تلك التي لا يُسمع فيها سوى صرخات المُعذّبين خلف القضبان. كان للسجناء في تزمامارت تلك الوحدة البشعة والمخيفة، يذكر أحدهم في رواية تلك العتمة الباهرة ماذا بقي له من المشاهدة التي أسعفته في الوحدة: “آه من رائحة القهوة الصباحية والخبز المحمص، آه من وثر الشراشف الدافئة وشعر امرأة ترتدي ثيابها، آه من صياح الأولاد في ملعب المدرسة، ورقصة الدواري في كبد سماء صافية، ذات عصر! كم هي أشياء الحياة بسيطة وكم هي مرعبة حين لا تعود هنا، دونها المستحيل إلى الابد“.

كم أنت وحدك