لو كنتُ شيئا آخر

في حيواتٍ موازية إن حصل وأطلق الخيال لنفسه، يودّ أحدهم لو أنّه شيئا آخر، غير تلك الهيئة التي وجِد بها. وربما لا دافع هناك إلا للهروب أكثر والتمويه علّ وعسى أن يُتاح الكثير من الفرص في هيئة جديدة، ولو كانت شيئا معنويا. لا سبب هناك واضح في تلك المحاولات التي تتجاوز الروح الإطار الجسدي للبحث عنها في أشياء كثيرة؛ وجدت فيها الملاذ والحياة، وربما شيئا من الرغبة في التشكل والاستمرارية، وإن كان لا مفر للإنسان من تغيير ذاته لشجرة أو قصيدة، أغنية، وغيرذلك. تجده يفني حياته حبًا في البحث بعدما تعلق بذلك الشيء، إن كانت رغبته ان يصبح شجرة، تجده ضاربًا بالأمثال عنها، مهتما بالكلمات فيها، مميزا نوعا فيها، وربما قد يكون زارعا لها، متخذها شعارًا في حياته. لكنه وإن رغِب يومًا أن يكون شجرة، فلابد أن يحذر في اختيار البقعة الجغرافية؛ حتى لا يصبح رهينة لفأس إنسان جاهل كان باحثا عن حطبٍ للشتاء غير آبهٍ بما عنده، فضرب تلك الشجرة التي كانت يوما إنسانًا يملُك حُلما.

أن أكون أغنية لا تُخنق في الأيادي ولا تقف عن إنسانٍ واحد، بيد أنها لا تملك الزمن الذي قد تكونَ فيه مأساة لمجرد سماعها في حالة حزن، إذ يقرر المستمع أن ينفيها للأبد؛ لسوء ذلك التوقيت. أغنية لا أقف في أرض ولا أنزل رأسي بسبب دنو السقف ولو كان سماءً، لا يحدني بلد، ولا يملكني دكتاتور، ومن حظي أن أكون ذكرى عاشقَين، ومن سوء حظي أن أكون لحظة كلها بثّ في ذاكرة محب، لكنني لا أبحث عن أحد لأنّ الخلود حظي. أن أكون أغنية يعني ألّا يكون لي عمرٌ محدد

لو كنت شيئا آخر، لوددت أن أكون قصيدةً عصماء خالدة، تحديدا معلقة طرفة بن العبد. “إذا القوم قالوا من فتًى؟ خِلتُ أنني/ عُنيتُ فلم أكسل ولم أتبلّدِ”. ألا أقف إلا في اللغة، روحي كلمة، وغذائي كذلك، لو كنت قصيدة، لما شكوتُ من شيء؛ لأنني حيٌ في صدر صاحبها ومن أخذها شعارا له في الحياة، وربما أكون هزيعًا في آخر الليل، لا أملك سوى الستر على النائمين والذين يتبادلون الحب خشية بزوغ النهار. ربما أكون قصيدة رثاء استنادا على ما يأتي ويذهب، أغنيةً وطنية ليس شرطًا أن تكون مليئةً بالفرح، بل حُفظت لتكرارها، شجرة سدرٍ توهمُ الناس بثباتها، كتابٌ مغمور ليس به سوى قصائد حول القلق الوجودي، طريقٌ شاخ عن تحمّل المركبات، سحابة لا تملك سوى مشاركة السحاب، حديثًا فلسفيا يبقى في الذاكرة لوجوده مرةً واحدة.

لا أعوّل على شيء سوى الخيال الحتمي الذي ينبئني دائما بأنني لو كنتُ شيئا آخر، لكنت شجرةً تعيش دون الحاجة ليد الإنسان، شجرة تنمو على حافة العالم، بعيدة عن الأعين وأيادي الآخرين.

1 thought on “لو كنتُ شيئا آخر

التعليقات مغلقة.