جالسٌ بقرب النافذة

هذه المرة لست خلف المقود ولا الواقع أيضًا، ولا حتى قريبًا من أولئك الذين تتعالى أصواتهم معي وأنا أطيل النظر من خلال النافذة. ولا أذكر أنني كنت في مركبة أم غير ذلك إلّا عندما صرخوا علي وقالوا: ها نحن قد وصلنا. وتلك العادة لا تفارق الذين ولجوا فيها دون إرادتهم، ورأوا فيها الجزء الأجمل من الحكاية، أكانت ذكرى انتهت، أم مستقبلًا في حاضرًا يقالُ له يقظة، تجدهم في غياهب الخيالات، وقد احتوت أيديهم أيادي من أحبوا، وطالت أصوات الأحاديث، وبانت النواجذ من كثرة الضحك.

كان المشوار قصيرًا في مدينة محببة، على خلاف تلك المشاوير أو الرحلات التي لا رغبة في بدئها، بيد أنّها إلزامية لهذه الحياة. اختلطت ألوان السماء، والليل على وشك الهبوط؛ ليواري بذلك الغروب الذي يعقب الشفق. لا شيء في الليالي الممطرة سوى الشاعرية والأحاديث، وربما أكثر من ذلك أو أقل، وللناس طقوسهم التي يفضلونها، وللآخرين حياتهم التي يتحتّم عليهم فيها أن يراعوا أشياء كثيرة عقب المطر، كأن يراعوا الموازيب وحطبهم وحيواناتهم في القرية، وتختلف الكائنات بشكلٍ عام في كيفية التعاطي مع المطر وما بعده.

اعتدت كغيري وربما الكثيرين، أن أزاحم أقراني على المكان القصي في السيارة، النافذة التي من خلالها أتأمل المشهد، ذلك الشاعري الذي قد يُبتذل عند الغير، ويفضل عند الآخرين، لكنه بالنسبة لي لا يختلف عن كونه قصيدة أحب المراقبة من ثناياها إن صحّ التعبير، لأشاهد الأرض، زرقة البحر، اخضرار ويباس الشجر، تبدل الفصول، الأيادي الملوّحة للوداع أو السلام، وربما طلبًا في توصيلة، متابعة سنابل الحقول الكثيفة، الذكريات، نعم الذكريات، لكن لاحقا لا أتى ذلك عندما تغير الرقم العمري الذي لم يأتي وحده، بل أتى بصفات وتغيراتٍ كثيرة، ممتنٌ لأشياء كثيرة وأهمها العزوف عن كل الأشياء المليئة بالوهم وكذلك عن الأشخاص، رفاق الوهم واللحظة في الواقع، الذين تستطيع التواصل معهم بعينيك. عودةً على ذي بدء، لا شيء أثقل من العودة لذات الأماكن التي كانت يومًا هي الحياة والمعنى بالنسبة لك.

أن أجلس مرةً أخرى بجانب النافذة التي من خلالها عشتُ الخيالات والتصورات، وعدتُ للماضي وتجاوزت الزمن وسرعة السيارة. كنت للتو قد سمعتُ قصيدة محمود درويش “لاعب النرد” واستوقفتني تلك الأفعال التي نثرها في القصيدة وكأنها صوتي وأنا اطيل النظر من النافذة لأرى حياتي ومراحلي، ويداي الضعيفة في يدا أبي القوية، لينقلب الحال بيننا، وأرى تقوقعي في أيامي الدراسية الأوَل، والكلمات الرنانة في صغري، فلسطين، المسجد، المدرسة، جدّاي، جدتي التي فقدتها، الطفولة والرهبة من الناس وكل جديد، الابن البكر، الناس الجدد. أكبُر قليلا، اسمع عن مصطفى محمود، رواية العنكبوت، عشرون ألف فرسخ تحت الماء. أشاهدني من النافذة، كرة القدم في الحي، زفافٌ في حوش الجيران، وجهي في المرآة، الأستاذ الذي صفعني، الملك عبدالله في حفل أضعت فيه عقالي، أتذكر وأتذكر وأنا على النافذة، أُبكي الطفولة وحياتي وأنا في الماضي؛ لم اقوى على الاستسلام للحاضر والتكييف فيه، الاستئياد للحياة، الخروج للشارع، هدف زيدان في نهائي كأس العالم 1998، هذه اللحظة الأولى في كرة القدم بالنسبة لشخص نشأ بين عوالم غيبتها الصحوة. اسحب رأسي للوراء، أتأمل دموعي في مرآة النافذة، أنفاسٌ متراكمة، لكنني وحدي، لا أدرك إن كنتُ على نافذة سيارة أم منزل، لا أجرؤ على الاقتراب أكثر، رأيت ما يكفي مني، لكنني لم أصل بعدُ إلى ما أريد. وقد دأبتُ حديثا على إيجاد الوقت الذي لا أحد فيه سواي؛ لأعيد المشهد الذي كنت فيه ولم أعد

قليلة هي المرات التي استمع فيها للأغاني في السفر، المرات الأخيرة كانت للاستماع لقناة جميل الرويلي. لكن المرات التي لا استمع فيها إلى شيء، لا يهدأ عقلي، يعيد علي كل شيء وأنا أتأمل من نافذة للطريق الذي لا أعبر به إلى وجهتي في المستقبل، بل أعود من حاضري إلى الماضي، معنويا وماديا. أتحدث مع نفسي عن كل شيء لمحه عقلي ولم يكلّف نفسه بالبحث أكثر، حتى وإن كانت كلمةً واحدة، لا يلفظها جسمي بما فيه، الكتاب الأول الذي رأيته ورأيت صوره وبعض كلماته، عندما سألت عنه كان ألف ليلة وليلة، ومن حسن حظك أن تجد كتبا عند أسلافك، أعادتني ذاكرتي وأنا في حالة اطمئنان لأغنيةٍ اعتبرها الأولى التي سمعتها وبقي منها “إني أتنفس تحت الماء”. لا أنكر حبي لتلك الذكريات، لكن أتجنب مساؤها قدر الإمكان. يقول درويش: “أمشي، أهرول، أركضُ، أصعدُ، أنزل، أصرخ، إلخ”. كل ذلك كان من خلال نافذة رجعت للماضي، ووصلت المستقبل، من وقود حاضري، من خيالات وشخصيات الذين قرأتهم ولم أرهم.

تقول أم كلثوم في أغنية ذكريات عام 1955 عن الذكريات “كيف أنساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي، إنها قصة حبي”.

1 thought on “جالسٌ بقرب النافذة

التعليقات مغلقة.