على المنحدر

الحياة في العقد الثالث ليست على ما يرام، ويبدو أنها كذلك بشكلٍ عام، لكنها تتطلب حيلة تساعد على إبقاءها في حالة إيقاعٍ متزن يعين الطرفين على تحمل بعضهما البعض، الحياة وأنا، أو أنا وهي. كلّ ذلك القلق الوجودي والعبثية تطلّ من تلك اللحظة التي تشبه فيها الهيثم، ابن النسر الذي يسقط دون إدراك من العش على الأرض، يهوي ويرتطم بواقعه والعقبات، ليتحمل بعد ذلك الحياة التي تواجهه في طريقه إذا كان محظوظا ولم يلتهمه نسرٌ دخيل.

مشوار

تعيد مشوار حياتك وأنت في مقهى قررت الذهاب إليه بعد يومٍ متعب، أو أي مكانٍ يعنيك. لتجد أنّك قد خرجت من المكان والزمان وأنت في ذات الحيّز، تعيد عليك شريط الحياة، لتشاهد تلك اللحظات الأولى التي كانت يداك صغيرتان في يدي أبويك، ثم أضحت يدان تقبضان على بعضهما البعض في البدايات والتجارب الجديدة، تجد قهوتك باردة والعالم ترمقك بنظراتها وأنت ما بين مبتسم وحزين، تتأمل في إنسان قذفته الحياة إلى ميدانها مبكرا دون الحاجة لبروفةٍ سابقة. هذه اللحظات التي كانت في زمنٍ تأمل أن تتجاوزها الذاكرة، تداهمك في أزمانٍ كثيرة، تارةً تكون حسنة في الإشادة بتجاربك، وتاراتٍ تكون عبئًا عليك وعلى ذاكرتك.

تعويل

الشجرة على المنحدر لا تحتضر، لا تخاف النهاية بسبب الحيّز، بل تعوّل على المكان الذي سندت عليه. في قصيدة محمود درويش (هكذا قالت الشجرة المهملة). يبدو أنّ قولها في القصيدة كان شكًا أكثر من كونه ثقة، وتساؤلًا عميقًا فيها حول ما إن كانت العصافير تراها وطنًا لها أم لا. “هل تحسّ العصافير أني لها وطن أو سفر؟”. تريد أن تكون وطنا للعابرين، وأنت تبحث عن تجسيدٍ لك من خلال صورتك في شجرة، لتراها شامخة من التبرعم حتى النضج. لماذا لم أكن طائرا، شجرة، أغنية لا تُملك في يد، شيء لا يُرمى وحده في متاهة، أو يمرّ بمرحلة ليست يوم أو عام، بل عقد وأكثر من حياته. ما بين الحيرة والعبث والتساؤلات.

رغبة

لكن، هناك دائما رغبة في التجاوز، أشد من فجاجة ما حدث، وأملًا في المواصلة برغم الماضي، وتوقًا للغناء ولو كان على ما كان من مآسي وأحداث، وحبًا في هذه الحياة وما فيها لأنها مليئة بكل ما هو جديد على الأعين، مليء بالدهشة، مفعم بالحياة، الجديد الذي فيه ومنه يُستمدّ ترياق هذه الحياة. وما زلنا في نصّ الطيب صالح من روايته “موسم الهجرة للشمال” عندما ذكر الجُمل التي بمثابة لبّ بيت القصيد: ” إنتي أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تُزار، ثمة ثمار يجب أن تُقطف، كتبٌ كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجلّ العمر، سأكتب فيها جملًا واضحةً بخطّ جريء”.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s