الجزء المفقود من الحكاية

ما الذي يدفع هذا الإنسان ليفعل ما يفعل، خصوصا تلك التي يفعلها اعتراضا؟ وماذا وجد الإنسان في السير على ذات النهج الذي تركه ما قبله وربما ما زال عليه من حوله؟ وماذا يا ترى يُغني عن كل الصمت الذي لا لغة تساعده، ولا إيماءات تنقذه؟ “ومن أنا لأقول لكم ما أقولُ لكم” مثلما قال محمود درويش. الصورة لا تغني عن الجوهر، والتساؤل لا يأتي بقيمة السؤال، والحكاية أو الحكايات، لم تكن يومًا كاملة سوى ما أتى من مصدرٍ موثوق لا تطاله يد الناس.

قرأت هذا الأسبوع رواية للشيخ الكبير والأديب الروسي ليو تولستوي، الذي يتقدّم على فيودر دوستيويفسكي بالحكمة التي لا تظهر على محيّاه فقط، بل حتى في أعماله. لا أريد أن أسهب أكثر في العمل، لأن شرحي لا يجعل للرواية صدى أو حظًا أكبر؛ بل يقلّل منها. في ثنايا أي عمل روائي هناك ما يشبه شطر القصيدة، لبّها، والحدث المفصلي فيها. تولستوي لم يكن يحتقر الحياة العادية، بل تلك الزائفة. كم هو مؤسف أن يعيش الناس هذا الزيف طول حياتهم، غير آبهين بالحقيقة عندما ينكشف هذا كله. وكم هو مؤسف أن تعيش حياةً لا شيء فيها واضح إلا عقب خوض أصعب المراحل، وكأنّ الثمرة لا تُجنى إلا بعد أن تتعب وتتهالك، وتُستنزف في تلك الدروب حتى تصل أو تظهر لك الحقيقة.

العابرين، الماكثين على أرصفة الطرقات والمتأملين، الذين وصلت أو أصواتهم، أو حتى صرخاتهن، الأسلاف، التاريخ، حكايا كبار السن، كتاب أيام العرب، حرب داحس والغبراء، ليلى والذئب، ما خلف القسَم، تنهيدة الطفل، دمعة الشيخ، والصمت الذي لا لغة ولا إيماءة توضّح كُنه. كل ذلك وأكثر يمتلك الجزء المفقود الذي لم يُلتقط من كل حكاية. حكايات لا نسمع منها سوى سكرات، وبعضها لا نلحق إلا على الوداع، والغالب ليس لنا منها سوى التواتر. الجزء المفقود من حكاية إيفان ايليتش التي لا يختلف عليها اثنان أنّها تلائم حياة الشيخ تولستوي، تلك الحياة التي لا تختلف عن مكانة وقيمة الطبقة البورجوازية، لكن الجزء المفقود هنا، أنّ ذلك كان زيفًا، في العمل وفي حياة ليو. جزءًا مفقودًا لم نره.

لا أحد يصل لهذا الجزء من الحكاية سوى صاحبها. هناك فقرة لم تروى في الحكاية لرغبة صاحبها أو دون ذلك، أيضًا لحظة لم تشارك مع الجميع، لذة نأى بها صاحبها عن الأعين، فرحة مخبأة رغبةً في تجنب المترصدين، انتظار فاق احتمالات المنتظرين، أملا يضيء، يتوقّد، يترقّب، لكنه لا يحترق