غير مرئي. في حضور الغروب

كل هذه الكلمات كانت في الصدر الذي لم يعد يخشى الانفراد بنفسه، ولم تعد تخاف النفس ما يسمى بالخواء الذي يطمس الحاجة للكلام والصراخ، وربما الزئير بكل هذه الكلمات التي بنَت سدّا في الصدور. ثمة مخرج من كل هذا، وهناك وجهة في نهاية كل درب، أكانت لك أم للطريق ذاته. وهل يُرى كل هذا، ومن في هذا الصراع، وإلى متى سيستمر هذا العناء؟ وما الدرب الذي لا نُسحق فيه ولا نعاني؟ كم هو مؤسف أن تغرب دون أن تكون مرئيا، محسوسا، أو حتى يُشعر بك. “وما زال الدرب دربٌ لنمشي ونمشي، إلى أين تأخذني الأسئلة”. سنعود مرة أخرى بعد أن يتجدد كلما فينا، بعد أن تخضرّ أوراقنا ويشتدّ عودنا. نحن الذين كنا ثمرة الإقصاء، ونتيجة كل الاحتمالات والظنون الخاطئة عنّا.

الكل في انتظار الخلاص، ويا للطريق الذي طال على الجميع. لكن الخلاص قد يأتي للبعض وقد يوهم الآخرين حتى النهاية. في مسرحية (انتظار غودو) للمسرحي والناقد صامويل بيكيت. لا زمان ولا مكان لاثنان ينتظران الطريق أو الخلاص. حياة تزخر باللامعنى لهذين الاثنين، لا شخصيات ولا دول تُظهر من أين هم، ينتظران غودو الذي يتمثّل في الخلاص لهما كما هو الحال للآخرين. تمر المسرحية والأحداث القليلة فيها وتنتهي وغودو المخلّص لم يأتي. مسرح عدمي مليء بالمجهول، قد تبدو كذلك الحياة التي عقبت الحرب العالمية الثانية والتي كُتبت هذه الرواية بعد إنتهائها بثلاثة أعوام. أرواحٌ كانت خاوية، لا درب لها ولا حتى حكاية سوى الذكرى التي حلّفتها الحرب والتي تسببت في إلحاد الكثير وإيمانهم بأن يعود العالم كما كان من جديد.

الدرب، الطريق، المسار في هذه الحياة، إذا لم تكن باختيار المرء؛ فليكن جاهزًا للقولبة الاجتماعية التي قد تجعل الدرب شبيها بالمضمار. في رواية الطريق لنجيب محفوظ الرائع والعبقري والمليء بالرمزية في أعماله. رواية وإن كان مضمونها عن صابر وأمه وما بعدها، إلّا أنّ المغزى من هذه الحياة التي لم تكن سوى قوالب له، ليس ظاهرًا ولا واضحا؛ لأنه لا درب يسلكه، ولا طريق قد وضع فيه قرارته. بل كان كحجر شطرنج في لعبة لا تطول. في خضمّ هذا الدرب الذي تسقط فيه أكثر من نهوضك، لا أحد هناك، ولا حياة بلا درب، ولا زمن بلا أحداث. وكما يقول محمود درويش: “لا أحدٌ يحملق في حضورك أو غيابك”. إذًا أنت غير مرئي حتى في عالم الأحياء”.

لكن، ما فائدة هذه القراءات والبحث الدؤوب، والتأملات في الذين كانت لهم دروب، والذين لم يجدوها! وما السر خلف وقوع المعضلات في منتصف الرحلة، وما العبرة من مشاهدة الغروب، وما رأي البعض عن القوم الذين قالوا بأنّ تأمله عبادة، وما الفرق بين الطريق المعنوي والمادي في صعوبته؟ ما قيمة الحياة التي لا درب فيها سوى ما يشابه دروب الآخرين المعروفة، والتي لا تخلو من أعراف وتقاليد مكررة ومُعادة؟ وإن كانت مريحة، أو مُبتغى، فهل هذا فعلا كل شيء، وهل هذا هو الذي كانت له كل الجراح والنصَب.

يتفوق المعنوي على كل ما هو مادي. حتى وإن تأخر الدرب أو علاماته، لابد أن يظهر لأولئك الذين آمنوا بأنفسهم دون الحاجة لمؤمنين ودون الخوف من فقدان طريق أو تلاشي رحلة في البدايات، أولئك المُعدمون وغير المرئيين والذين لا أحد يدركهم. لن يُنقذوا إلا بهذا الإيمان في صدورهم، ودور الطريق لهؤلاء، أن يرضخ لهم وإن كانت كل العوائق فيه.

أن أكون غير مرئي ومتأخرا، لهو أهون من أعيش السائد أو أجاري حياة روبورتات لا تملك إلا عدة خيارات وعدة كلمات، وإن ظنت أنها تجاوزت الإطارات. لكنها في الحقيقة لا تعيش إلا في حدود معقولة، كذلك الذي يعيش في هذه المجرة ويؤمن بكل شيء ويقبله، لكنه لا يؤمن بوجود مخلوقات أخرى، هذا ما زال في الإطار الذي تربّى فيه. لا أريد أن اختلف بمعنى التمرد أو التمييز أو حتى التفرّد؛ للفت النظر. بل أريد تلك الحياة التي لا حافة إلا وأضع قدمي عليها، ولا سحابة إلا وأتبعها، ولا أرض إلا افترشها، رغبةً في الدرب الذي ابحث فيه عن الانعتاق. أن أشاهد الغروب ولا أقف، بل أبحر خلفه، وخلف مرقد الشمس. يكفي هذا التماهي والمجاراة، وتكفي تلك الحياة التي وإن كنت تظن أنّها عظيمة، بيد أنّك تدرك ماهية الواقع من كل الزوايا. هل أنت في دربٍ من اختيارك فعلا.

الغروب ليس ظاهرة كونية، بل نفسية أيضًا، وربما يصادف أن يشبه هذه الحياة ورحلتها. ما بين الشروق والغروب.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s