حياة على المنحدر

لطالما أخذ اليأس ما أخذ، من الناس عموما والشعراء خصوصا، وهذا لا يأتي إلا تناغما مع الحنق على الوجود واللحظة، من الدنيا ومن فيها. وهذه الطبيعة ممزوجة بهذه النفس التي تلهث كثيرا وراء أشياء لطالما نُصحت منها، وكان خيرا لها لو أعرضت عنها. وكلما توغل الإنسان في الناس عموما وأحدهم خصوصا؛ لاقى ذاك المصير الذي قد يحبطه عن كثير من هذه الحياة، وأعني لحظة الغضب من الآخر والتنغيض، لتُصاب لاحقا بهذا البؤس واليأس من هذه الحياة العظيمة المليئة بالتنوع الذي لا يُحصى، وكل ذلك بسبب أحدهم أو شيئا في هذه النفس.

وقد يئس المتنبي من كافور الأخشيدي، حاكم مصر آنذاك، بعدما حبسه خوفا من هجاء الأول، لكن أبا محسّد لاذ بالفرار بعيدًا جدًا، ليس في أطراف المدينة، بل في كبد الصحراء، وحيدا في عيد الأضحى، وأنشد قصيدته الرنانة والتي يُستشهد بها في كل عيد على لسان الذي لم يجدوا ما يسرّهم. لكن المتنبي كان يائسا من عدم حصوله على ما في نفسه من حاكم مصر، فقال في مطلعها: عيدٌ بأية حالٍ عدتَ يا عيدُ/ بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ. والشاعر لم يقف بيأسه هنا فقط، بل قال أيضًا: أصخرةٌ أنا مالي لا تحركني/ هذي المُدام ولا هذي الأغاريدُ. من شدة هذا البؤس، وما يشغل القلب والعقل، لم تحرك المُدام – الخمر – شيئا فيه، وهذا والله ما يحدث لهذه النفوس ولنا، لا شيء يدعو للبهجة كلما اسودّت هذه الدنيا ومن فيها، أو أُغلقت الطُرق بعد أملنا في عدم وجود عوائق أخرى.

وهذا البؤس، ما هو إلا نتيجة لانعكاسات الحياة وما فيها، وكما ذكر فيودر دوستايفسكي في كتابه (ذكريات من منزل الأموات) عن أسباب الجريمة لأولئك السجناء؛ ذكر أنّ الوضع النفسي المعكوس اجتماعيا هو السبب، فالبؤس قرين الفقر والعوز، ونتيجة الحياة الرديئة التي تكون لبنةً في الطبقة الأقل مجتمعيا بسبب فقرهم، وربما تكون في طبقات أخرى بسبب عوامل الحياة، والكثرة من كل شيء عدا الطمأنينة. إذًا البؤس ليس سوى نتيجة لإشكالية عائلية، مجتمعية، أو نفسية كان لها الأثر على كل ما هو لاحق.

وكان لأبو العلاء نظرة في كيفية تجاوز هذا البؤس الذي قد تخلّفه الحياة مع الصديق، يدعو إلى التمسك بالصداقة وإن خالطها ذلك البؤس. إذا صاحبت في أيام بؤس/ فلا تنس المودة في الرخاء. وإن أسقطنا هذا على اللحظة التي يمر فيها ما يمر؛ ربما يهوّن ذلك موضوع التوقف عند البؤس واجتراره طويلا، وعدم مراعاة أنّ اللحظة يعقبها أخرى.

ربما يهوّن الشخص البائس وصاحب هذا الشأن على نفسه بتذكّر أنّ “من سرّه زمنٌ ساءته أزمانُ”. وربما التفكر في بؤس الآخرين يعطي تلك النتيجة التي تساعد على تجاوز هذه الحالة، بيد أنّ السابقين كانت وقودًا لهم، لكتابة الشَّعر، ولإبقاء شيئا منهم على شكل كلمات، وهذا جانب إيجابي في التعاطي مع هذا الشعور الذي قد يكون ولّادا عند البعض، وفاتكا عند الآخرين.

بعد أن بئس المتنبي من سيف الدولة عندما تخلى عنه، ولم يقتص له بعد أن اعتدى عليه ابن خالويه. أنشد في قمة بؤسه واغترابه قائلا: بم التعلل لا مالٌ ولا وطنٌ/ ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ. قمة اليأس هنا لدى أبو محسّد، يقول بأي من الأشياء نطيب أنفسنا بالأمل والراحة والمؤانسة (التعلل). لا مال هناك، ولا وطن له، مرّت حياته بالكثير من التنقلات، ما بين العراق وسوريا ومصر، ولا شيء في الحاضر أو في خاطره من الباقيات. في حنايا كل ذلك البؤس والاغتراب الروحي والجسدي له يقول: لا تلق دهرك إلا غير مكترثٍ/ ما دام يصحبُ فيه روحك البدنُ. وبدأ يقتنع بأنّ كل ما فات، لن يعود. فما يديمُ سرورٌ ما سررت به/ ولا يردّ عليك الفائت الحزَنُ

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s