وقفات

لطالما كانت اللحظات الأكثر عزلة، سواءً في وحدتك أو بين الجموع، هي التي لا صوت أعلى منها تأثيرًا على حياتك. وقفات إنسان يهرب من نصف يومه الأول المليء بكل الأصوات والكلمات، إلى النصف الآخر؛ ليجد فيه ذلك المشهد السينمائي الذي يحتوي على ممثلين كانوا يومًا في ريعان شبابهم، وهاهم يظهرون بصورةٍ عمريةٍ أخرى. يكْمل هذا لإنسان بقية المشهد وحده، متفكرًا في رحلته المليئة بالوقفات والأزمنة.

يا لهذه الأجواء والإنتاجية المسمومة التي تحمل خلفها كل دلالات التعب والإنهاك. مدينة فسيحة وليلٌ طويلٌ على أولئك الذين ليس لهم مفرٌّ من الزوّار. العتمة والحنين، وأثقلهم الهمّ. تُحاول في الليلة السابقة ألّا تُشغل بالغد، بالزمن. خصوصًا في المساء الذي يعنيك وحدك، وتقضيه غالبا فيما تحب، عدا بعض الأمور الحتمية على المرء ومحيطه الخاص. وديدن الإنسان المجافاة، أكانت الأيام له أم عليه

للحياة عدة أمور يستحيل بها المرء أن يذهب للتالي؛ من شدّة وقْع ما وقَع له. وقد يُختبر المرء في كثيرٍ من أمور حياته فيجد أنّه لا يستطيع الفكاك من شيء قد علِق به من شدة من كان مهتمًا عندما أقبل على ما يريد أول مرة. والإنسان هو الإنسان تحت كل سماء وفوق كل أرض، لا يختلف عن الآخر سوى بما قد استحدثه الزمان وأحكامه وتطوراته. أي أنّ المشاعر التي تسكن الأفئدة، والطباع المتنوعة، وكل ما يجول في دواخلنا من دسائس وخفايا، ما هي إِلَّا شيءٌ مشترك بيننا وبين ذلك الآخر ولو فرّفتنا الحدود الجغرافية. وكلما ما في الأمر هو أنّ الحياة تقف وتتحرك عندما يدرك أحدهم أهمية التحرك في زمنٍ وقف فيه الكثير؛ جرّاء الحيرة في التصرف.

وأنا واحدٌ كالبقية، يؤلمني ما يؤلمهم، ويسعدني الذي يسعدهم؛ لأننا من ذات المجموعة التي تتعرض للسقوط والنهوض مع الأيام، وخلال المراحل الحياتية التي يظن بعض الظانون أنّهم هم الوحيدين الذين يذوقون المرارة دون سواهم. وحتى لا أخرج عن المسار جرّاء مفترق الطرق في منتصف رأسي. أقول بأنّ اللباث في مرحلةٍ ما ما هو إِلَّا قرارٌ ينبع من دواخل الإنسان الذي يستوجب عليه أن يدرك تمامًا أنّ الوقوف والانتظار لأجل شيءٍ ما غير نافع، ما هو إِلَّا تأخيرٌ للساعة التي لا يهمها رضا من تنتظر أو إصلاح مالا يتم إصلاحه. وعلى الإنسان أن يعي قيمة الرحلة التي تعاد بشيء جديد في كل مرة. عليه أن يدرك أنّ زمانها ومكانها يختلف من مرحلة لأخرى. والأولويات في حياتنا هي أسمى ما يصل بنا إلى الغايات التي نبحث عنها بشغف وولع. ومن أنا حتى أُرشد غيري؟ لست سوى إنسان يبحث عن الإرشاد، أصابني العجز والفقد والخيبة، لكن اتخذت شيئًا لا أنفك عن تركه، وهو نفسي التي أقدمها على كل شيء ينفعها دون إلحاق الضرر بها أو بأحد. ثم إني أدركت قيمة أهمية كل ما أعيشه حتى أنني أتجاوزعن كل شيء آملًا ومؤمنًا في شيء أفضل من ذلك. وخلاصة كل قول هو أنّ الإنسان هو باني وهادم أسواره بنفسه.

هكذا كانت الأيام، روتينية وما أجمل الروتين الذي ليس فيه مشقة أو نصب على الجسد والروح. في الأيام الأخيرة من زمنه، خطرت له فكرة لم تكن مرّت به سابقًا، وهي أنّ الأعمال التي كان يشاهدها من لفترة لفترة، يلاحظ فيها تقدّم السن لدى أولئك الممثلين، دون أن يقف يوما مع نفسه. الممكن في أحلامك، هو تغييرك لشخصيتك الواقعية المُؤطرة وفق هذا الوعي والواقع معا. في الحُلم تعود وتتقدم في الزمن، وكأنك تلهو في حوض ماء، ينساب الزمن معك أينما ذهبت، تعيش فيه بكامل الشخصية التي خلقتها عن نفسك، تركض وتهرول، تقفز في الخريطة بلمح البصر، كل ذلك وأنت في حُلمك. الحياة لا تقف على أحد، ولوكان لبُعده مرارة. وتشمل “أحد” كل الذين أساؤوا التصرف وهمّشوا التقدير، وهذا الزمن لن يعيد لك المرحلة التي تحيطها بالوفرة، هذه الكثرة من كل شيء مصيبة، الكثير من الناس والأشياء، ثم تشكو من عدم وجود تنظيم ومراعاة لكل هذه العشوائية.

ولهذه النفس وقفاتٌ كثيرة، تعيد فيها قراءة نفسها في كل حين. أن تنعم بأوقات صفاء، لا يعني خلوّها من التفكير في هذه الروح التي مرّت على ظهر الزمن، وربما هناك لحظات تمر على الشخص، دائما يردد فيها “من زمان عن لحظة مثل هذه”. هذه هي لحظات الصفاء، لا أنت منتظِر أو مُنتظر، غارقٌ في اللحظة

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s