من الكلمات إلى فوهة الأرقام

أفكار متطايرة في سمائي التي لا تتجاوز السقف ولا حتى تصل له، وربما يكون لها منظر النوارس في الأفق؛ لكني لا أصل لشيءٍ منها. تتكتل الأيام حتى تصبح شفرات في طريقي. هذه النفس عجيبة جدًا، وديدنها في هذه الحياة هو التقلّب ولا شيء سواه، وعيبها أنّها قد تفني هذا الجسد وربما أودت به إلى الهلاك، وفي الجانب الآخر، ربما تزهو به وتعينه على تحمّل الكثير من الأعباء

هذا الإنسان قد يُوفّق في الجمع بين أشياء كثيرة في حياته، على مستوى حياة الخاصة، أو حتى هواياته ورغباته، وربما يوفّق في أدق من ذلك إذا كان محظوظا. وهذه النفس التي تملأ الجسد وتقوده في حيرة تارةً، وفي اهتداء تاراتٍ أخرى. وأحسب أنّ أبو الطيب المتنبي أجاد في هذه النفس شِعرا، وكتب التوحيدي أبو حيان نثرًا. ولا أقف هنا إلا بحثا عني، ربما هذه اللغة، أو كلمات الآخرين ومقاصدهم، ولو أنني لا أملك قطميرًا من شعورهم المتضمّن تلك الكلمات، ولا أقف عند تلك القصائد إلّا لما لامس هذه النفس منها، ولا أقف إلّا استزادةً من الكلمات وعودًة لي في حياةٍ سابقة من خلال كل هذه اللغة.

يقول المتنبي: وَفي الجسمِ نَفسٌ لا تشيبُ بشَيْبِهِ * وَلَوْ أنّ مَا في الوَجْهِ منهُ حِرَابُ. ويا لطيف من هكذا قول، وما أصدقه. يذكر أنّ هذه النفس قد تعيش وتتفاقم حياةً ولو كان الجسد في عمرٍ متقدّم.

صعودٌ وهبوط

تبحث عن أشياء كثيرة، هذه النفس. تجد نفسها في أمر وبعد برهة تكون في أمرٍ آخر. لا شيء أعتى من هذا التشظي في النفس، لها تموّج الأيام دون الاستقرار على حال، ولها الصدّ في قمة الفرح، والسعادة في الترح، متقلّبة في يومها، لا تشبه شيئًا سوى الكائن الذي جُبِل على حياة التمرّد. لكنني أحب تقييم نفسي وملاحظتها، ولو كانت السيطرة عليها صعبة. أتأملها في الذهاب والإياب للعمل أو الأماكن التي نبحث عمّا بعدها، أراقبها في أرضٍ حبيبة وعقب مغادرتها لها، استوعبها في الفرح لحظة السفر، وفي الترح لحظة العودة منه. أنصت لهذا الضجيج والصمت في جسدي. ولا عجب أنّ هذا الصعود والهبوط ليس سوى طبيعة لهذه النفس التي تتأثر بمحيطها غالبًا و شطحاتها نادرًا.

مرحلة حرجة

يقول وديع سعادة: “ليس ممكنا بعد، أن تكون حاضرًا مع آخرين، لا بينهم ولا فيهم. لم يعد لديك كلام لهم ولم يعد لديهم كلام لك. إذا تكلمت لا تتكلم إلا مع ذاتك ولو ظننتهم يصغون. وإن تكلموا لا تسمع إلا صوتك ولو اعتقدوا أنك تصغي. لا تكون إلا في ولو كنت في جمهرة، ولا يكونون معك ولو كنت بينهم. لست إلا منفيا وليسوا إلا منفيين. منفيٌّ في المكان ومنفيٌّ الناس. منفيٌّ في الخارج ومنفيٌّ في الداخل”. وربما يكون هذا المنفى الذي يؤطّر الإنسان هو الرحلة التي تعيشها نفسه، التي لا تكفّ عن الركض في المضمار.

عجلة التنمية تدهس موظف

برغم البحث الدؤوب عن الخروج من بعض أو غالب المجالات الوظيفية التي تعيش في إيقاعٍ واحد طوال حياتها، إلّا أنّ الانتظار يصرّ على الوقوف كحاجزٍ في الطريق. والمعضلة دائمًا تكون في الرتابة السلبية لتلك الأعمال التي من الخطأ أن تقول أنّ خبرتك فيها عشرة أعوام، بل عامٌ واحد. لأنك لم تخرج من كل هذا التكرار. ونعود لهذه النفس التي ربما تصدُّ فجأةً عما كانت عليه؛ لأنها لا ترضى بهذا الإطار الشبيه بالمضمار.

انتقال

ها أنا انتقل كليًّا من صومعة الأدب وأصنافه، من عطيل وهاملت شكسبير، ومن الحركة الرومانسية والكلاسيكية في الشِّعر، من إليوت وقصيدته الخالدة (الأرض اليباب، من ميلتون والفردوس المفقود، من رحلة مهولة ومليئة بالكلمات، إلى الأرقام التي باتت كل شيءٍ يُرى، إلى لغة المال، إلى متابعة المؤشر الذي يتزامن مع الصعود والهبوط للنفس ومزاجها، إلى الوقوف عند ذاتي لأتساءل: هل أنا كلمة أم رقم.

مواءمة

هذه النفس في توسع دائماً، وفي نهمٍ أكثر. وكل ذلك يأتي بفائدة إذا استثمر صاحبها هذا الجوع في شيءٍ مفيد بدلًا من إرهاقها في ما يضرها. وربما تكون الحياة أكثر سهولة لو جمعنا ما بين أمورنا الخاصة وتلك التي تخص العمل والدراسة وأمور الحياة. لكن هذه الوفرة من الأرقام في حياتي، طغت على كل كلمات هاملت في مسرحية ويليام شكسبير، وتجاوزت الكلمات في حركات الشعر الكلاسيكية والرومانسية، وأبقت لي شيئًا من الذكرى، وصدىً من إلقاء دكتور الشِّعر لبعض قصائد ويليام بليك وتوماس وبيرسي شيلي. كل هذه الذكرى سوف تحيا إذا كان للكلمات عودةً أخرى.