فيرا لينهارتوفا، من لقاء ميلان كونديرا

“لذلك اخترت المكان الذي أريد أن أعيش فيه ، لكنني أيضًا اخترت اللغة التي أريد التحدث بها.”

عندما بدأ عام 1992 في جرّ نفسه ببطء من الخريف إلى الشتاء، بدأت في اكتشاف مربى اللؤلؤ والسجائر والتعرض الشمالي. كنت قد غادرت للتو مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي نصف مليون نسمة لبلدة صغيرة يبلغ عدد سكانها 1200 نسمة في نهاية طريق على جزيرة. كان الملل غزيرًا. كان هناك جبل في المؤخرة، والبحر في المقدمة، وكل حياتك يجب أن تكون ممتلئة في شريط رفيع بين الاثنين. كنت أقضي الصيف هنا، أتعلم كيفية السباحة، وركوب الدراجة، وشيء أو اثنين عن علم التشريح البشري على شاطئ العراة المحلي. كنا نقضي الأيام في القفز فوق الجدران الحجرية الجافة ومشاهدة الأفلام من أعلى شجرة بجوار سينما في الهواء الطلق. مع انخفاض السحب وأصبح البحر رماديًا، تم التخلص من البراءة الأخيرة ببطء من طفولتي. جاء اندفاع التبغ والحزن، والموسيقى المعاناة التي صنعت في سياتل هروب طبيعي؛ أصبحت شخصيات التعرض الشمالي قدوة في غياب الآخرين.

كان الشتاء عاصفًا، منعزلاً وهادئًا. بحلول ذلك الوقت، كنت أعلم أن الحرب لن تنتهي في غضون شهر أو شهرين. الاعتراف بأن سراييفو لم تعد موطني، شعرت بأنه غير مقبول، وخيانة لكل من بقي وكل من غادر. ومع ذلك ، كان هذا حيث كنت، حيث كان علي أن أجد طريقة لأكون. من بين الأشياء القليلة التي أخذناها عندما غادرنا كانت كاميرا صغيرة بحجم 110. بدأت في التقاط الصور معها حتى نفدت شرائط التسجيل. لم أكن أقوم بتطوير الفيلم. كان الغرض بأكمله ببساطة هو استخدام الكاميرا لتأطير الأجزاء الدنيوية من حياة جديدة. مهما كانت الأفكار التي كانت لدي أثناء القيام بذلك، تُركت لتموت ببطء على تلك الإطارات الصغيرة. كنت هناك؛ في البيت مجددا. تحولت العادة الشخصية الصغيرة المتمثلة في “تأطير الأشياء” إلى مهنة. أحببت القيام بذلك، والابتعاد. في كل مكان جديد، وكل بلد يمر برقعة خشنة، كان من السهل أن تبقى منفصلاً وتلتقط الفتات من على سطح الموقف. كانت المشكلة أنها لم تكن حقيقية. أشعر بالملل، سأبدأ في التقاط صور هادئة؛ تجميع فسيفساء من الأشياء التي تبدو غير مهمة، أجزاء من حياة الناس “الطبيعية”، حياة “قبل أن يحدث كل هذا”. يمكنني أن أتذوق فيها بعض فصول الصيف والشتاء التي كانت في غير محله منذ فترة طويلة في منزلي.

في الوقت الذي كان فيه عام 2014 يجر نفسه ببطء من الربيع إلى عذره لفصل الصيف، بدأت في اكتشاف ملذات الرحلات الطويلة المؤلمة، والمجتمع البولندي في غرب لندن، والتأثير المريح الذي تتركه ويتروز على مهاجر فقير.
هناك الآن فتاة بشعر أسود ومجرات على رقبتها. لكن لندن تبدو وكأنها بيت دمى ضخم ومروض. أنا بحاجة إلى الحياة، الناس الذين يقولون ما يقصدونه، وليس ما يعتقدون أن الناس يريدون سماعه. أتبع غرباء عشوائيين و “أسرق” صورًا لهم ، مستعيرًا القليل من حياتهم. ألقي نظرة خاطفة على الأسوار في الساحات الخلفية وغرف المعيشة. مناحي طويلة. أفقد نفسي أكثر فأكثر في المجرات، إطارًا تلو الآخر تذوب المدينة تحتي.
في البيت مجددا.

أعود إلى الجزيرة. سبتمبر هادئ. أجلس مع صديق، هرفوجي. في “غرفة المعيشة” لدينا – بار مارينيرو – تحت نفس أشجار التوت التي كنت أجثم فوقها. في بعض الأحيان يتساءل ، أليس من الأسهل إذا كان ينتمي إلى مكان واحد فقط ، إذا كان لديه إحساس قوي بالخلفية ، مكان غير معروف في المعادلة التي نحلها باستمرار.
في الظل، بين صراخ أطفال المدارس، كل ما يمكنني التفكير فيه هو عدد المرات التي سأعود فيها إلى المنزل مرة أخرى.

كونديرا والمنفى بقلم: سعد محمد رحيم

يقارن كونديرا، في كتابه (لقاء)، ما بين ربيع براغ الذي توِّج بالاجتياح السوفيتي لتشيكسلوفاكيا، وربيع باريس الذي يُعرف بثورة الطلاب 1968. فالأول كان نتيجة تراكمات من الأحداث والضغوطات والأخطاء والقمع بدأت منذ السنوات الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية إذ أصبحت تشيكوسلوفاكيا جزءاً من المعسكر الشيوعي ووجدت نفسها طرفاً في الحرب الباردة.

أما الثاني فكان انفجاراً غير منتظر بتعبير كونديرا الذي يصوِّر الربيعين بالقول: “كان ربيع باريس، الذي بدأ بمحاولة الشبّان أولاً، مطبوعاً بغنائية ثورية، أما ربيع براغ فكان مستوحىً من شكوكية الكبار، ما بعد الثورة”. وهنا يحكي عن ذكرياته عن تلك الأيام المشحونة بالتوتر والآمال.. “آه على سنوات الستينيات العزيزة”. وبنبرة متهكمة يؤكد أن النظام السياسي النموذجي من وجهة نظره هو النظام الديكتاتوري في طور تحللها، والجهاز البوليسي الذي يعاني الخور، فهما يحفزان الروح النقدية الساخرة.. وكانت هذه حالة النظام السياسي والبوليسي في بلاده قبل الثورة والاجتياح السوفيتي.
كان في باريس يومها، تتناوشه الرغبة، أو كان مجبراً على العودة إلى براغ، فيما آخرون من أصدقائه يفكرون بالهجرة أبعد من باريس.. كانت القرارات صعبة ومصيرية. وأخيراً هم ذهبوا إلى منافيهم وهو اضطر للرجوع إلى حيث سيعاني الأمرّين، وتلك قصة أخرى.. المهم أنه سيخوض، بعد سنوات، تجربة ترك موطنه والهجرة.. سيذهب إلى باريس الذي كان ربيعه، مثلما يكتب عنه: “جدالاً فكهاً حول الثقافة الأوربية التي أُعتبرت مضجرة ورسمية ومتحجرة. أما ربيع براغ فكان عرضاً لتلك الثقافة نفسها، التي ظلت لمدة طويلة تختنق تحت غباء الإيديولوجية”. ويضيف كونديرا أن من بين دوافع الثورة في بلاده أيضاً؛ الدفاع عن المسيحية، وعن عدم التدين، وعن الفن الحديث.
مثّل مشكل المنفى لكونديرا هاجساً دائماً.. أن تكون هناك، بعيداً عن موطنك، أو أن تكون في موطنك وتحلم بالمكان الآخر.. حين يكون الوطن سجناً مكفهراً فلابد من أن تشعر، أو تعتقد أن (الحياة هي في مكان آخر/ عنوان رواية له) وليست هنا.. تذهب إلى هناك وقد تسكن لغة أخرى، لغة الأمة التي استقبلتك ووفرت لك الأمان وحظوظاً جديدة للعيش، (وهذا ما حصل معه على وجه التحديد، ورواياته الأخيرة كتبها باللغة الفرنسية).. تنغمس في تيار حياة مغايرة لمدة قد يطول بانتظار أن يتبدل الوضع في موطنك الأصلي. وحين يتحقق حلمك تُفاجأ بأنك لا تقدر على العودة.. يتحول الماضي إلى طيف محض في الذاكرة. فيما يوفِّر المنفى مسرّاته ويكون بديلاً نهائيا، فلا وقت لتجربة ثالثة. والأوان يكون قد فات. وإلا، يتساءل كونديرا: “كيف يمكننا أن نفهم الأمر الصادم المتمثل في أن لا أحد، تقريباً، من الفنانين المهاجرين الكبار سارع بالعودة إلى بلاده، بعد نهاية الشيوعية؟”!.
يخلق المنفى حساسية فريدة من نوعها، مواسية كما يسمّيها، وهو يتحدث عن كاتبة تشيكية منفية هي فيرا لينهارتوفا ترى أن هذه الحساسية اكتست بطابع أخلاقي فحُجب الطابع الحقيقي للمنفي الذي يحوِّل إبعاده إلى إنطلاقة محرِّرة نحو مكان آخر. وقد تكون حالة لينهارتوفا استثنائية بعض الشيء تعكس طبيعتها الشخصية التي تنزع إلى مغادرة المكان الأصلي إلى مكان آخر.. والتي تقول؛ “إنني أتعاطف مع الرحّل، فأنا أشعر أنني لا أملك روح إنسان مقيم. كما أن لي الحق في أن أقول أيضاً بأن منفاي قد أتى ليحقق ما شكّل دائماً أمنيتي الغالية: أن أعيش في مكان آخر”.


والمثقف الذي لا يكون في مكانه، يمكن أن يلوذ بالإبداع الذي يتحوّل إلى موطن بديل.. يغادر عزلته وقلقه وشكوكه ليسكن في فنّه.
يستذكر كونديرا حكاية شاب وشابة يهوديين التقاهما في مرحلة مراهقته بعد الحرب، وكانا قد عاشا سنوات في مدينة تريزين التي حوّلها النازيون إلى غيتو ليهود بينهم العديد من المثقفين.. وحين أبدى كونديرا مشاعر الخجل والضيق وهو يسمع قصتهما غضب الشابان وأفهماه أن “الحياة هناك كانت تحتفظ بكل مقوماتها، بدموعها كما بمزاحها، وبرعبها كما بلطفها”. كانت النازية تعرضهم أمام لجان الصليب الأحمر لتموِّه على جرائمها.. كانت ثمة حرية نسبية للمحبوسين هناك، ولم يرفضوها وهم يعيشون في غرفة انتظار الموت، كما يصفها كونديرا، لكن من غير أوهام.. وتلخصت إجابتهما الواضحة بأن “لإبداعاتهم ولمعارضهم ولحفلاتهم الموسيقية وحالات حبهم، وكل مشهد حياتهم أهمية أعظم، وبقدر لا يُقارن، من المسرحية الجنائزية لسجّانيهم. كان ذاك هو رهانهم”.