ليل ومدينة

“هل من الممكن ألّا تُلهمك هذه المدينة على الإطلاق؟” سؤال يُطرح من شخص لآخر، من على شواطئ نابولي.

لطالما كان للمكان سلطة على هذه النفس، سواءً بالسلب أو الإيجاب، في الأرياف أو المدن، لذاته أو للأشخاص فيه. وهذا الإلهام الذي يُستحث ويُطلب، ليس شرطًا أن تكون ثمرته من أجل شيءٍ عظيم، يكفي أن يكون وقودًا لنفسٍ أوشكت على الذبول. هذا الإلهام والشغف يعني الشخص نفسه دون الحاجة للحديث عنه وإرشاد الجميع.

المكان جغرافيًا هو الوطن الذي يذود عنه الإنسان بكل مشاعره وكلماته، ولذلك قال محمود درويش: علّقوني على جدائل نخلة/ واشنقوني فلن أخون النخلة.

“شكّل المكان ( الجغرافي ) حيزًا كبيرًا في شعر محمود درويش، فهو من أكثر الشعراء المحدثين ارتباطا بهذا المكان واندماجًا بمكوناته المختلفة، فالمكان عنده ليس مجرد مأوى يسكنه أو يأوي إليه و إنما “المكان مكمل للإنسان فهو الذي يحتوي الإنسان و يعطي للأحداث التي يقوم بها الحيوية و المعنى و القيمة”. يقول الشاعر معبرًا عن حبه لوطنه و تعلقه به : “أنا لا أكون إلا في الأرض، و كل وجودٍ لي خارجها إنما هو ضياع و تيه نهائي، لتكن الأرض داخلي تكتبني وأكتبها”.

بطرسبورج دوستايفسكي، طنجة محمد شكري، قاهرة نجيب محفوظ، باريس بعيون جورج أورويل وهمنغواي وسارتر. مدن كثيرة يحتفي بها الناس؛ لانها أضحت الوطن بالنسبة لهم. يقول ديستوفسكي عن سانت بطرسبورج: “هل حدث لك أن مشيت في يوم من أيام الخريف في وقت متأخر في بعض شوارع المدينة؟ هل تسنى لك أن شاهدت عندئذ كيف راحت المصابيح القليلة تلقي بضوئها الشاحب على الحوائط العليا للبيوت، وكيف ذابت قطع من المباني في السحب الرمادية مكونة كتلة واحدة، وكيف راح الضوء يهتز خافتاً في النوافذ، كل هذا والمطر ينهمر رتيباً فوق الأسطح والريح الباردة تصفر بشدة؟”.

من بين أزقّة وحواري القاهرة، تجد نجيب محفوظ ظاهرًا أمامك، كيف لا، وهو الذي شرّح وأجاد في وصف تلك المدينة ومن فيها. لن يصل محفوظ لكل هذه الأنفس وأماكنها حتى يقدّم لها مكانًا خاصًا في قلبه، من رواية خان الخليلي أحد الأحياء القديمة، إلى زقاق المدق والقاهرة الجديدة، أيضًا بين القصرين والسكرية وقصر الشوق. ” وعندما نتمعن جيدًا في روايات نجيب محفوظ نجده يتعامل مع مدينته باعتبارها أرضية اجتماعية وثقافية معقدة أفرزتها المدينة بكل أشكال علاقاتها ومؤسساتها وشخوصها وقوانينها”.

العلاقة بالمدن

هذه الكيمياء التي تحدث بين أمرين لا يدركان لغة بعضهما البعض، هو الأمر الذي قد يساعد على الاستمرارية بشكلٍ أفضل دون الحاجة للتوضيح والتبرير، والعتب المباشر. قدسية الإنسان للمكان لا تحتاج إلى لغة ومفرداتها، ولا إلى التصريح بذلك للجميع. يكفي المدينة امتنانه الدائم بوجوده فيها. وللمكان قيمةٌ أكبر؛ إذا استولى على النصيب الأكبر من طفولة الإنسان وذكرياته، أيضًا قد تتعاظم المدينة لوجود الناس المقربين فيها، حيث تغدو وطنًا لا يستحق الخروج منه إلا لأسبابٍ أكبرُ من أن تُحتمل.

هل تلهمني مدينة؟

في العمل السينمائي The Hand Of God، لم يُلهم أحد ابطال الفيلم الإيطالي بشيءٍ أبدًا، حتى مع وجود ماردونا في فريقه المفضل، لكنه في النهاية بعد أن وقف مع أحد المخرجين على شاطئ مدينة نابولي، أدرك أنّ هذه المدينة فيها الكثير من الأشياء التي لا تتطلّب سوى التفاتة واحدة؛ لتدرك هذا الكمّ الهائل من الجمال.

لا أحد ينكر فضل وجود البحر في أي مدينة، على خلاف الموارد المطلوبة والموجودة. فهي ملائمة لحياة الكثير من الناس، الطبيعين وأولئك الذين يجبرون لظروفٍ أخرى. ولكل إنسان طريقته في البحث عن شغفه وإلهامه الذي يعنيه دون غيره. ربما تكون الشوارع المترامية، والناس المختلفة، وكذلك الألسن العديدة في مدينة كهذه، هي من الأسباب التي تجعل الإنسان مأخوذًا بها. وبقعة كهذه المدينة لا يسعني سوى الامتنان يومًا تلو الآخر لوجودي فيها.

5 thoughts on “ليل ومدينة

  1. تكتب بأسلوب بديع جدًا يا عبد الله
    حسّيت بجمال المدينة اللي كانت السبب في كتابة هذه التدوينة
    وأعتقد إنّي عرفتها كمان ههههه لا ملامة عليك

    إعجاب

  2. ما شدني لقراءه هذه التدوينة في الساعه ٣ صباحاً هو فضولي لمعرفه المدينه التي ألهمت كاتب هذه التدوينة على وجه الخصوص و لكنه اختار ان يكون كأبطال الفيلم !

    Liked by 1 person

التعليقات مغلقة.