هذا الجزء من اليوم في المدينة

الرابع عشر من يناير، وحلكة هذا الليل تناسب البعض عن سواهم؛ لأنّ منتصف اليوم الأول غالبًا يُقضى في أوقاتٍ لا يملك منها شيئًا شخصيًا، وليس له فيها لا أمر ولا رفض. وهذا الليل قصة خالدة، تضمّن الكثير من حيوات الناس وآمالهم، بوحهم وبثّهم، منذ القدم وحتى يومنا هذا. يذكر درويش في قصيدته رسالة من المنفى مخاطبًا أمّه: “الليل يا أمّاه، ذئبٌ جائعٌ سفاحْ، يطارد الغريب أينما مضى، ويفتح الآفاق للأشباح”.

ساعة الذروة في بداية اليوم ومنتصفه، ربما تكون هذه الجزئية المهولة بمن وما فيها، هي أقرب لمشهدٍ سينمائي يحدث فيه هذا الكمّ الهائل من التفاصيل. استعجال اليوم قبل بدئه، الاختناق المروري وراديو الصباح، العبوس والشتائم، المكان الذي يخبر الموظف نفسه أنّه لا يلائمه، بيئة العمل وشطحات المسؤولين، الابتزاز والاحتراق الوظيفي، العودة في ذات الاختناق المروري وأنت منهكٌ تمامًا، لم يبق لك شيئًا من روحٍ أو جسد.

كيف تخبر إنسانًا أنّ الحياة بخير إذا كان لا يملك شيئًا من يومه، لا ليلًا ولا نهارًا. ومن يتفكر في هذا تهُن عليه مصيبته التي ينازع فيها إلى آخر لحظة، منتظرًا نصف يومه الآخر، وآملًا في أفضل من هذه المحطة. هذا الليل لا يشبه شيئًا سوى قصيدة خاصة بهذا الإنسان وحده، يرمّم ما تبعثر، ويأمل في غدٍ أفضل، ويعيد نفسه من خلال أموره التي يُحب، ولو كان هذا الأمل عصيًا أن يُذكر في بداية اليوم، إلّا أنّه قد يولد من جديد في هذا الظلام.

لولا القليل من الأمل والناس والتفاصيل الصغيرة والكلمات اللطيفة والمؤمنين بك، لما عرفنا انتظار الغد، والعمل للمجهول، واحتواء الاحتمالات، لا نعيش الفأل إلا لغدٍ واعد فيه حياةٌ أخرى، ربما يملؤها الأمل لما بعد ذلك. وها هي الحياة – حياتي – أعرف فيها سوء الواقع أحيانًا، لكنني أزخرفه كتابةً حتى تجد فيه بصيصًا من الفرح، وربما تطول المرحلة لكنها ستنتهي.

لطالما أخذت أغنية أو شطرًا من أغنية عبدالحليم مأخذًا آخر، في أغنية موعود، عندما تغنّى “في نفس المكان ضايعين، في نفس المكان”. وإن صحّ القول، لا يشبه هذا شيئًا سوى التكرار في ذات الدائرة، نفس العمل يوميًا، ذات الأرقام والأوراق والعملات والإشكاليات. ليس هناك آفة للمكان سوى المكوث فيه حتى تغدو آلة أو أريكة، تمرّ عليهم السنون حتى يصبحوا شيئًا تالفًا.

من حسن الحظ أنّنا نملك هذا الفصل من اليوم، في قطعة مترامية الأطراف، تتجاوز الأرض التي تكفي زمرة من السباع. هذه العتمة هي الغطاء لكل الذين هربوا من بداية يومهم، وهذا لا يتجاوز الأمل الذي لولاه لما هدأنا نهارًا آملين في سكون الليل والحياة التي تعنينا. يذكر أبو فراس الحمداني عن : “إذا الليل أضواني بسطت يدى الهوى، وأذللت دمعًا من خلائقه الكبر”.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s