الوفرة الخاطئة

يصل الإنسان لمرحلة مليئة بالوعي أو لعناته، تتضمن العزوف عن أشياء كثيرة في حياته، حتى في أدق التفاصيل التي كان يسعى لها ويهتم بها، وكل ذلك يأتي تزامنًا مع هذا العمر، بعد أن كانت تُشغله هواياتٌ أضحى يطارد ما كان ينصحه به الذين يفوقونه عمرًا. ومن طبيعة الإنسان رفض فكرة هذه الأمور التي يسمع عنها ويراها وهو ليس بصددها، لكنّه لابد أن يمرّ عليها كما هو محتومٌ أن يتلاشى كما تكتّل من صغره مرورًا بالجموع في عوالمه الخاصة والعامة. وهذا ليس مأزقا؛ بل نهاية رحلة كانت فيها النفس تلتهم ما يصادفها، وتتشرب الأفكار والأحلام، وربما أحلام وآمال الآخرين أيضًا. لكن عقب ذلك، تبدأ في النأي دون أخذ الإذن من صاحب هذا البدن، أو الرجوع إليه.

فهي بطبيعتها تنكمش مما يؤذيها، وتشعّ من كل ما يحتويها، لكنها وكما ذكرت، وكما ندرك جميعًا، تمرّ عليها مرحلة ربما تقف فيها لاهثةً من أشياء كثيرة ومآزق أكثر، جرّاء الكثير الذي احتملته، والعشم الذي انتظرت ثمرته، لكن لا جدوى من كل هذا. هي تبحث مؤخرًا عن السلام، حتى لو أصرّينا على مخالفة رغبتها، في النهاية سوف نخضع لأمر هذه النفس التي تشبه كل شيء يعيش ويحلّق ويتفاقم، ثم يخبو وينكمش ويتراجع ليرضى أخيرًا بالبعد عن الكثير من الأشياء والناس، والرضا بالواقعية والتخلي عن الوفرة – التي لا تُحصى – التي دُفنت في أعماق هذه النفس. وكل هذا ليس سلبًا علينا أو على أنفسنا؛ نحن نتاج عالمنا الذي نمرّ به، وأيامنا التي نحشدها بالأمنيات والانتظارات، ونغفل عن الواقع وربما العمل لذلك الشيء الذي نطمح له، وكل هذا ليس يأسًا من شيء، بل دعوةً لعدم إرهاق هذه النفس المسكينة بكل شيء؛ حتى لا تغدو خاليةً من وجود أي شيء.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s