الأشجار، قصيدةٌ تخص المرء وحده

بدءًا من أسبوع الشجرة آنذاك، الذي كان يمرّ على الكثيرين دون ملاحظة، ويقف عنده. حتى هذه اللحظة التي فيها يتفاقم شغفه بالبحث عن تلك الدروب التي تكسوها هذه الكائنات العظيمة. ربما لأن حياته كانت ضمن تلك الإطارات المحدودة، ليس فيها سوى شجرة أو اثنتين، وربما عالمٌ صغير ليس فيه سوى الآمن ومن يحب.

بذرة، شجيرة، شجرة

هذه البذرة الضئيلة في كفّه، لا تشبه سوى الأمل الذي يندر في حياته معنويًا، فكان ذلك التعويض عن طريق كل ما هو فيزيائي وتحديدًا تلك الأشجار. يذكر هرمان هسه في حديثه عن تلك المخلوقات، وهذا جزء منها: ” كل فتى صغير عاشر الأشجار قليلا يدرك أن أقوى الأخشاب هي تلك التي تمتلك أضيق الحلقات. فكلما زاد ارتفاعها واقتربت أكثر من الأخطار؛ كلما زادت القوة والمثالية في نموها، وأضحت عسيرة على التحطيم.

الأشجار مقدسة. من يتعلم كيف يتحدث معها، من يتعلم كيف ينصت إليها، يستطيع الاقتراب أكثر من الحقيقة، بل وملامستها. الحقيقة الهاربة من سيطرة التفاصيل. الحقيقة الأبدية للحياة.

تقول شجرة: النواة مخبأة في داخلي، البريق، الفكر. أنا حياة مستمدة من الحياة السرمدية. المواقف والأخطار التي تسلكها الأبدية الأم معي متفردة. متفرد شكل العروق الطافحة على جسدي، متفردة مسرحية الأغصان تلك التي تجري على أفرعي وتلك الندبات الصغيرة على أزيائي الخارجية. لقد خلقت لأعكس الأبدية في أكثر تفاصيلي صغرا. وتقول أخرى: أنا واثقة في قوتي. لا أعلم شيئا عن آبائي، ولا أعلم شيئا عن آلاف الأطفال الصغار الذين ينبثقون مني كل ربيع. أنا أستكشف فقط تلك الأسرار المدفونة في بذوري حتى النهاية. لا شيء آخر يهمني”.

في جوف القصيدة

تميز بعض الشعراء وربما بعض القصائد بتفرّد وتردّد الأشجار والشجيرات فيها. للأشجار رمزية ودلالات جمّة. الشيح والنخل لدى محمد الثبيتي: “يا أيها النخلُ، يغتابك الشجر الهزيل، ويذمُّك الوتد الذليل، وتظلُّ تسمو في فضاء الله، ‏لكن سيقامذا ثمرٍ خرافي، وذا صبر جميل”. وطغى الجناس حتى حلّ التماهي أنت والنخل طفلانِ: طفلٌ قضى شاهدًا في الرجال وطفلٌ مضى شاهرًا للجمالْ، ونتيجةً لدور الجناس في ترسيخ التشابه بين الشاعر والنخلة، انتهى القسم الأول بالتماهي بينهما، فأصبحا شيئًا واحدًا: “أنت والنخل سِـيَّـانِ: قد صرت ديدنهن، وهنَّ يداكْ / وصرتَ سمِاكًا على سمكِهنَّ، وهُنَّ سماك”.

محمود درويش والسرو

لطالما تمثل شعر محمود وغيره بالأشجار؛ الخرّوب والسرو وغيره، يذكر درويش في حكاية لصديقه الشاعر الكبير سميح القاسم، وقد ذكرها أنور الخطيب. كان فيها ردّ درويش على رجلٍ فلندي قال أنّ أجداده هم الذين زرعوا الخروب في كيبوتس يسعور. قال لسميح: “ولكن شجرة الخروب إيّاها التي دلّت المستوطن الأجنبي “البريء” عليّ وعلى أجدادي هي غلاف هويتي، وهي أيضًا جلد روحي، إذا كان للروح جلد، هناك ولدت، وهناك أريد أن أُدفن، ولتكن وصيّتي الوحيدة”. وبهذا يكون درويش قد أوصى أن يدفن عند شجرة الخروب الكائنة في قريته (البروة) في شمال فلسطين، لكنّ أحدا لم يطبّق هذه الوصية، ربّما لأنها لم توثّق رسميًا.

وجاء ردّ سميح لدرويش قائلا: “أرجو أن تعذرني، لن أزور شجرة طفولتك في “البروة” ولن أحفر عليها اسمينا.. شيء آخر أستطيعه من أجلي ومن أجلك هو أن أحفر اسمينا على الريح، وأن أنقش الريح على الوطن، وأن أكتب الوطن على لحمي، وأن أنثر لحمي في القصيدة”.

للنخلة شيءٌ من التقديس

عمة الإنسان، الشجرة المباركة والشجرة الأم. هذه التي تغنّى بها الناس وأضحت رمزًا للمجتمعات ودليلاً على الجود والكرم. ربما هي أقرب للعربي من غيره، وأقرب كثيرًا لأولئك الذين نشأوا عليها، وأبصروها في مهدهم. “علّقوني على جدائل نخلة/ وأشنقوني، فلن أخون النخلة، هذه النوقُ لي وكنت قديمًا/ أحلبُ النوقَ راضيًا وموله”. هذه النخلة لم تأتِ هنا سوى كصورة مصغرة عن الوطن، أي أنها وطن، فلن أخون النخلة (الوطن).

وقد ارتوى النخلُ حبًّا وعشقًا عند أهله العراق، حتى تجد أنّه من النادر أن يخلو من كلمات ومكان ومحيط أحدهم. من قصيدة (سلامٌ على بغداد) للشاعر العراقي المرحوم عبدالرزاق عبدالواحد: “وآخيت فيها النخل طلعًا فمبسِراً/ إلى التمر والأعذاقُ زاهٍ قطافها. مؤاخاة للنخل وهو ذو العمر المديد المتجدد، من الطلع حتى البسر حتى الرطب في أعذاقها الزاهية القطاف إلى التمر. وهذا مما ي يُقال في النخلة، ليس بحديث ولكن الأسماع استحسنت هذا القول “أكرموا عمتكم النخلة”.

في ذكرى ممدوح عدوان، يشبهه درويش بالزنزلخت. “لكني لا أنسى ضحكتك التي تشبه شجرة زنزلخت مبحوحة الأغصان، عاليةً وعريضة، لا تاريخ لها منذ صار التاريخ قهقهةً عابثة. ومنذ عادت الجرار إلى حفظ الصدى، كالزيت، خوفًا عليه من آثار الشمس الجانبية”.

للوراء مرةً أخرى

هناك ما هو أكثر حبًا ورقةً من هذا، وهناك ما يشبه الطيف الجميل الذي يعيدنا إلى التقاط الفرح مرةً أخرى. هناك تلك الذكرى والأيام التي لا تُنتزع من قلبه، تلك السنون التي ولّت، كانت هي الشرارة الأولى في حياته للبحث عمّا يحب. وكل وميضٍ يمرّ في قراءاتنا يعيدنا دائماً إلى اللحظات الأولى التي أدركنا وعرفنا فيها محيطنا الأول؛ التي تغدُو أشياؤه لاحقًا، هي مقدساتنا وعقيدتنا، حتى وإن كانت شجرةً واحدة.

2 thoughts on “الأشجار، قصيدةٌ تخص المرء وحده

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s