مشاوير

هذا الطريق وذلك الدرب، لم يكن يومًا شيئًا عاديًا تركناه خلفنا لنبحث عن الوجهة والغاية، بل كان فيه معظم الحكاية. نحن الذين نسعى بشكلٍ دؤوبٍ في نظرنا،عن خلاف ذلك الذي في أنظار الآخرين أيًّا كانوا، لم نكن يومًا على أي ضفّة؛ بل ما زلنا وسنكون في وسط هذا المحيط المليء بالصراعات، المادية منها والنفسية.

هل تعلم ماذا يعني أن تعيش في مدينة كهذه؟ مدينةٌ كبيرة مليئة بكل الأجناس، تبدو مرهِقة وفي ذات الوقت طاعنةً في عمرها، لكنني ما زلت احتفظ بحبٍ كبيرٍ لها؛ لأنها تشبه عندي بدايات المحبة. لكنني أعود تارةً إلى رشدي لأسأل نفسي عن هذا الاحتدام يوميًا، والسعي في كل صباح، حتى أنني لم أعد أثق بأنّ هذه صباحاتٌ طبيعية تُجبر نفسك فيها على السرعة والتنافس مع الآخرين على العبور، وربما تتجاوز تلك الإشارات التي لا ترصّد فيها.

البدايات

تبدو هذه الكلمة دائمًا لها وقعٌ عظيمٌ في نفسي؛ لأنني أعود للبحر في أول مرة رأيت فيه زرقته، وأعود لتلك الذكريات التي تشكل وما زالت تعيديني لحبها، أعود لتلك الجبال التي أتخيل حضورها في هذه السواحل. لكنني أعتب على هذا الواقع الذي شهدت بداياته الجميلة، التي انتكست لاحقًا لتصبح أيامًا حانقة، مدينة تدفعنا للجنون، للهروب منها في كل نهاية أسبوع، عقب كل يوم عمل، وأيضًا لنفكر كما يفكر الطائر الذي لا يجد له مكانًا هادئًا، نفكر بالسفر، هذا الحياة قيمتها في هذا السفر.

أنا وغيري نشبه أولئك الكتّاب كلهم، نشبه كتاباتهم ونحددها في حياتنا ومراحلنا، وربما يشدني في بعض الأيام أن اتمثّل للكاتب بيسوا الذي ينقم تارةً على أيامه ويكتب عدة كلمات عن يومٍ واحد؛ وهذه رغبةٌ عارمةٌ في الصمت. “أطلب سوى القليل من الحياة، وحتى ذلك القليل رفضَت الحياة منحي إياه. طلبتُ حزمة من ضوء الشمس، حقلاً، القليل من السكينة مع قليل من الخبز، ألا تثقل علي كثيراً معرفتي بأنني موجود، وألا أطلب من الآخرين شيئاً وألا يطالبونني هم بأي شيء”. أحيانًا تريد القليل القليل، وحتى ذلك وأنت في الناس أو وحدك؛ عليك أن تتجنب تلك الأفكار التي تقودنا غالبًا إلى التمرد على أي لحظة، حتى لو كانت بيننا وبين أنفسنا.

مشوار الحياة

كان بالإمكان أن تكون الأغنية هي واقع صحيح لكل هذا السعي في الصباح وفي بقية اليوم. لكنها وهم، “مشوار الحياة سوا بديناه”. مع كل هذا الطريق الذي ليس له آخر ولا حتى بداية واضحة، في كل هذه الدروب اليومية التي تبدأ فيها بكل هذه السرعة والسعي للحصول على نصيبك اليومي، الذي أرى فيه نفسي حالًا، لا يلائمني شيء سوى أنني أعتبر الخروج من العمل والذهاب للبيت ليس سوى حُلم، والعمل هو المستمر الذي صيرني آلة. مع كل هذا لا ينبغي أن ننسى وأن أنسى أنني سوف أُترك يومًا، أسافر في الأوطان لأبحث عن مدينةٍ أخرى، بصباحاتٍ مختلفة، آمل فيها ألّا أكون آلةً لها في القطاع المصرفي ستة أعوام

أحب درويش وأقرأ لغيره من الشعر، لكنني دائمًا أريد أن تكون لدي هذه الجدارية التي يقول فيها محمود: “وأنت في طريقك للبحث عن حياة، لا تنس أن تعيش”. هذه الجملة التي بمجرد أن تسمعها؛ ترى كل هذا الحياة كمراحل سريعة أتت كلها في مشهدٍ واحد أمام عينيك. لكن يومًا ما، في مكانٍ ما. سنقول أننا عبرنا – بفضل الله – كل هذا الذي كان يشقينا في إحدى مراحل العمر.

الإعلان

5 thoughts on “مشاوير

التعليقات مغلقة.