وقفات

الحالة

لطالما كانت اللحظات الأكثر عزلة، سواءً في وحدتك أو بين الجموع، هي التي لا صوت أعلى منها تأثيرًا على حياتك. وقفات إنسان يهرب من نصف يومه الأول المليء بكل الأصوات والكلمات، إلى النصف الآخر؛ ليجد فيه ذلك المشهد السينمائي الذي يحتوي على ممثلين كانوا يومًا في ريعان شبابهم، وهاهم يظهرون بصورةٍ عمريةٍ أخرى. يكْمل هذا لإنسان بقية المشهد وحده، متفكرًا في رحلته المليئة بالوقفات والأزمنة.

يا لهذه الأجواء والإنتاجية المسمومة التي تحمل خلفها كل دلالات التعب والإنهاك. مدينة فسيحة وليلٌ طويلٌ على أولئك الذين ليس لهم مفرٌّ من الزوّار. العتمة والحنين، وأثقلهم الهمّ. تُحاول في الليلة السابقة ألّا تُشغل بالغد، بالزمن. خصوصًا في المساء الذي يعنيك وحدك، وتقضيه غالبا فيما تحب، عدا بعض الأمور الحتمية على المرء ومحيطه الخاص. وديدن الإنسان المجافاة، أكانت الأيام له أم عليه

للحياة عدة أمور يستحيل بها المرء أن يذهب للتالي؛ من شدّة وقْع ما وقَع له. وقد يُختبر المرء في كثيرٍ من أمور حياته فيجد أنّه لا يستطيع الفكاك من شيء قد علِق به من شدة من كان مهتمًا عندما أقبل على ما يريد أول مرة. والإنسان هو الإنسان تحت كل سماء وفوق كل أرض، لا يختلف عن الآخر سوى بما قد استحدثه الزمان وأحكامه وتطوراته. أي أنّ المشاعر التي تسكن الأفئدة، والطباع المتنوعة، وكل ما يجول في دواخلنا من دسائس وخفايا، ما هي إِلَّا شيءٌ مشترك بيننا وبين ذلك الآخر ولو فرّفتنا الحدود الجغرافية. وكلما ما في الأمر هو أنّ الحياة تقف وتتحرك عندما يدرك أحدهم أهمية التحرك في زمنٍ وقف فيه الكثير؛ جرّاء الحيرة في التصرف.

وأنا واحدٌ كالبقية، يؤلمني ما يؤلمهم، ويسعدني الذي يسعدهم؛ لأننا من ذات المجموعة التي تتعرض للسقوط والنهوض مع الأيام، وخلال المراحل الحياتية التي يظن بعض الظانون أنّهم هم الوحيدين الذين يذوقون المرارة دون سواهم. وحتى لا أخرج عن المسار جرّاء مفترق الطرق في منتصف رأسي. أقول بأنّ اللباث في مرحلةٍ ما ما هو إِلَّا قرارٌ ينبع من دواخل الإنسان الذي يستوجب عليه أن يدرك تمامًا أنّ الوقوف والانتظار لأجل شيءٍ ما غير نافع، ما هو إِلَّا تأخيرٌ للساعة التي لا يهمها رضا من تنتظر أو إصلاح مالا يتم إصلاحه. وعلى الإنسان أن يعي قيمة الرحلة التي تعاد بشيء جديد في كل مرة. عليه أن يدرك أنّ زمانها ومكانها يختلف من مرحلة لأخرى. والأولويات في حياتنا هي أسمى ما يصل بنا إلى الغايات التي نبحث عنها بشغف وولع. ومن أنا حتى أُرشد غيري؟ لست سوى إنسان يبحث عن الإرشاد، أصابني العجز والفقد والخيبة، لكن اتخذت شيئًا لا أنفك عن تركه، وهو نفسي التي أقدمها على كل شيء ينفعها دون إلحاق الضرر بها أو بأحد. ثم إني أدركت قيمة أهمية كل ما أعيشه حتى أنني أتجاوزعن كل شيء آملًا ومؤمنًا في شيء أفضل من ذلك. وخلاصة كل قول هو أنّ الإنسان هو باني وهادم أسواره بنفسه.

هكذا كانت الأيام، روتينية وما أجمل الروتين الذي ليس فيه مشقة أو نصب على الجسد والروح. في الأيام الأخيرة من زمنه، خطرت له فكرة لم تكن مرّت به سابقًا، وهي أنّ الأعمال التي كان يشاهدها من لفترة لفترة، يلاحظ فيها تقدّم السن لدى أولئك الممثلين، دون أن يقف يوما مع نفسه. الممكن في أحلامك، هو تغييرك لشخصيتك الواقعية المُؤطرة وفق هذا الوعي والواقع معا. في الحُلم تعود وتتقدم في الزمن، وكأنك تلهو في حوض ماء، ينساب الزمن معك أينما ذهبت، تعيش فيه بكامل الشخصية التي خلقتها عن نفسك، تركض وتهرول، تقفز في الخريطة بلمح البصر، كل ذلك وأنت في حُلمك. الحياة لا تقف على أحد، ولوكان لبُعده مرارة. وتشمل “أحد” كل الذين أساؤوا التصرف وهمّشوا التقدير، وهذا الزمن لن يعيد لك المرحلة التي تحيطها بالوفرة، هذه الكثرة من كل شيء مصيبة، الكثير من الناس والأشياء، ثم تشكو من عدم وجود تنظيم ومراعاة لكل هذه العشوائية.

ولهذه النفس وقفاتٌ كثيرة، تعيد فيها قراءة نفسها في كل حين. أن تنعم بأوقات صفاء، لا يعني خلوّها من التفكير في هذه الروح التي مرّت على ظهر الزمن، وربما هناك لحظات تمر على الشخص، دائما يردد فيها “من زمان عن لحظة مثل هذه”. هذه هي لحظات الصفاء، لا أنت منتظِر أو مُنتظر، غارقٌ في اللحظة

قداسة المكان

الحالة

لا ينفك الإنسان من حب المحيط به، وتحديدا تلك الأماكن التي لبث فيها طويلا وكان لها انعكاس إيجابي أو شبه ذلك على نفسه، وكلما استشرى التعلّق بالمكان، أضحى جزءا كبيرا في الذاكرة وعلى اللسان وحتى في ثنايا الكلمات. وقد كرّس الكثيرين ذلك الحب وتلك العلاقة بالحيّز في كلماتهم، حتى وإن كانت أطلالًا. وقد أخذت الأطلال مأخذًا كبيرًا من حياة الشعراء الأولين، وقدّموا امرئ القيس على بقية الشعراء؛ لأنه أول من ابتدع بعض الأمور واستحسنتها العرب مثل: استيقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقّة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض، والخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد. ووقف عندها زهير ودعا لها بالسلامة: فلما عرفتُ الدار قلت لربعها * ألا أنعم صباحا أيها الربع وأسلمِ.

ربما يكون المكان هو البطل، وهو المحور الأهم سواءً في الأدب أو السينما، نرى تفاصيل وحب الكاريبي في كلمات وملاحظات غابريل غارسيا ماركيز، وجدنا ذلك في رواية مائة عام من العزلة، الحب في زمن الكوليرا، وقصة وقائع موت معلن التي تحدث في قرية قرب الكاريبي. أيضًا “في رواية “إسطنبول الذكريات والمدينة” بحث عميق في المدينة بشرطٍ روائي، يتضمن رؤيته لها حينًا، أو رؤية عائلته التي شغلت حيزًا أساسيًا وإطارًا لعلاقته معها حينًا آخر، وفي أحايين أخرى؛ رؤى كُتّاب أتراك آخرين يستشهد بهم الكاتب لعكس روح المدينة في تلك المرحلة، وفنانين ومستشرقين وثقوا المدينة في فنون تشكيلية ورسومات استغرق الكاتب في تحليلها وقراءتها، رغبة منه على ما يبدو بإظهار علاقة الغرب بإسطنبول” العلاقة القديمة لأورهان باموق مع هذه المدينة خُلّد في كتاباته، تشكلت طفولة وحياة هذا الكاتب في هذه المدينة، لكنه يدخل في الحزن؛ جرّاء عودته للوراء مستذكرا الإمبراطوريات والحياة العظيمة المليئة بالتاريخ في كل زوايا المدينة والدولة كذلك.

Cast Away Movie

تخلل فيلم Cast Away العديد من المشاهد التراجيدية، التي حاول فيها البطل خلق الحديث مع جماد، وهذا دلالة على أنّ الإنسان لن يستطيع العيش وحده. يبحث عن الآخر وعن المشاركة وقيمتها التي تظهر في وجود كائنٍ بشري دون سواه. أيضًا استمرارية موظّف الإرساليات على إيصال إحدى الطرود بعد مدة زمنية فاقت الأربعة أعوام ولهذا تفسير. وهناك الأهم وهي لحظة وداعه للكرة(ويلسون) التي عصف بها المحيط، واللحظة المصيرية التي تُعرف بمتلازمة ستوكهولم https://www.webmd.com/mental-health/what-is-stockholm-syndrome وهي ظاهرة ملؤها التشبث من جانب عاطفي بكل ما سيتركه الإنسان ولو كان فيه شيئا من الألم. قيمة المكان قد تظهر في تلك اللحظات العصيبة التي تأتي عقب مفارقتك له، أكنت مكرها، أم راغبا في ذلك بعد أن تركت شيئا منك.

تنعّم دام توك في شبابك

الحالة

“تنعّم دام توك في شبابك/ ليالي العمر ما قطّ أمهلنّي”. لا شيء يضاهي نصيحة شاعر تخلّى عن غرضه الشعري الأهم، ليتفرد بشطر كهذا الذي لا عودة له فيه ولا سبيل سوى إرشاد الآخرين؛ لعدم تجاوز الشباب دون استغلاله. ويُقابل بقول أبو الطيب المتنبي: “لا تلق دهرك إلا غير مكترثٍ/ ما دام يصحب فيه روحك البدنُ” لكن بطريقة غير مباشرة. إذ أنّ الشباب والفتوة لا تُعاش إلا بتجنب كدر ما فيها، وعدم الاكتراث والالتفات والمبالاة للأشياء وللأشخاص المثبطين لحياة لن تتكرر مرة أخرى

ألا يصحّ أن نقول عن مطاردة النمر للغزال واصطياده، أنّ الآخر التفت عمدًا للنمر؟ لأي غرض يدور في بالك، وللغرض الذي جعل الكائن العاشب أن يلتفت، ليس فضولًا منه؛ لأنه اعتاد كثيرًا على هذه اللحظات، بل قاصدًا أن يلتفت هذه المرة للكائن الضاري ليرى كيف يكون مشهد النهاية دون التردد، الرهبة، والحيرة تلك التي جعلت من الكائن الآخر على اليابسة – الذي يملك لغة – أن يتردد، في الالتفاتة أو الالتفاتات لكل تلك الأمور التي تأخذ وضعية السنّور لحظة رؤيته.

لم يمت الغزال رغم أنه حصل على وشمٍ مجاني في مؤخرته، ولم يمت ذلك البشري الذي التفت مرة لمخاوفه فوجدها كانت تستحق الوقوف لتتلاشى، أو التجربة لتتضاءل وتصبح من مخاوف إلى تجارب أو ربما هوايات مستقبلية، فكم من مخاوفٍ لدينا أضحت تجارب، كأن تخاف استخدام السباحة، لتصبح بعد ذلك هوايتك التي واجهتها، وقِس على ذلك كل المخاوف التي لا تحتاج سوى التفاتة لتُحل. لكن ماذا لو كانت الالتفاتة تكلّف عمرًا كاملا؟

ما عاد يُحسب للنجوم، من كان صافي له القمر

الحالة

اكتمال البدر هذا حكاية وربما يكون درسًا لأولئك الذين ينظرون إليه ويتأملونه، والآخرين الذين يهتدون به في دروبهم ومسامراتهم، عدا ذلك الذي لا يختلف هو والبدر في لحظة الحضور. أي عبرة يملكها هذا الكائن ليظهر في حُلّه متوهجة بعد أن يتكوّن ويهيئ ذاته في غالب الشهر؛ ليتباهى بهذا الكمال. في ليلةٍ حالكة، تسودها العتمة التي لا تُرى فيها راحة اليد، لم يتوانى قيس بن الملوح عن ذكر ليلى العامرية، وفي ليلةٍ أخرى كان البدر هو القنديل للأرض ومن فيها، قال قيس في ليلى: “بيضاء باكرَها النعيمُ كأنها/ قمرٌ توسط جُنحُ ليلٍ أسودِ”. ومن الصور الغنائية عند ابن القدر (عبدالحليم حافظ) الذي أطلق هذا اللقب على نفسه، في أغنية زي الهوى 1970، يقول: “تحت القمر غنّينا، وسهرنا وحكينا. وفي عزّ الكلام سكِت الكلام.” قد يأتي الصمت هنا نتيجة هذا اللقاء الذي يطغى جمال صمته تحت القمر على الحديث. ويقول الآخر مستغلًا فردانية القمر: “ما عاد يحسُب للنجوم، من كان صافي له القمر”. وإن كانت صورته في الشعر المليء بالتشبيه الغزلي جميلة، لكنّه لا يخرج عن كونه يشبه الإنسان الذي يكون تارةً متوهجًا وتارة أخرى له جانبٌ مظلم. أيضًا هذا القمر – الجديد -على وشك أن يظهر في أبهى حلّه، كل ذلك أتى بعد أيام ليس له فيها سوى المحاولات. تذكر فايزة أحمد “القمر عالباب” قاصدةً بذلك الحبيب. أخيرا تقول أم كلثوم: “هلت ليالي القمر تعال نحيي السهر، ما أحلى القمر على شط النيل، والجو رايق وهادي”. كل هذا يصب افتراضا في أنّ هذا الليالي ليست سوى عُرس في حضرة هذا التوهج الذي كان عقب طول انتظار لهذا الكائن العملاق كما سيحدث لغيره من المنتظرين.

المسافة لا تطول

الحالة

“قصّري بُعد المسافة لا تطول”. لم يطلب ذلك طلال؛ إلّا أنّ هناك مسافة طويلة، يحاول الرجاء في ألّا تطول أكثر. وهذه الكلمة لها كثير من المرادفات مثل بونٌ والمدى والبُعد، بيد أنّ المسافة أشدّ وقعًا من كل تلك الكلمات، وأيُّ مسافةٍ أصعب من تلك التي أقطعها لأصل إلي. ولها من الإيجاب والسلب. يقول المتنبي قاصدا كافور: أما الأحبة فالبيداء دونهمُ/ فليت دونك بيدًا دونها بيدُ. ويقصد هنا بأنّ الأحبة تبعدهم عنّا مسافة الصحراء، أما أنت يا كافور، ليت بيني وبينك ما يفوق هذه الصحاري والمفازات. لولا المسافة، لما أخذت المشاعر حقها في المد والجزر. ولا عرفنا ليلى الأخيلية وتوبة، ولا ليلى العامرية وقيس.

والمسافة تهون إذا كانت فيزيائية مادية، على خلاف تلك المعنوية التي تشغل النفس وربما ترهقها أكثر من مسافة على الأقدام أو بوسائل النقل الحديثة. ويأتي أبو عبدالله، طلال مداح في أغنيةً أخرى مصرّحا برفضه: “أرفض المسافة”، وكدأب المعلقات والقصائد العِظام، أولها هو عنوان مضمونها وغالبًا لبّه. ورفضها هنا ليس الصدّ عنها، بل الاعتراض عليها وعلى ما هو أدنى منها، والسور والباب والحارس. حتى في إشكالية المسافة يرفض الانتظار للغد وكذلك الموت في قلب الآخر. والمسافة أكلت ابن زريق في قصيدته المبكية التي ترك خلفه في بغداد حبيبته ابنة عمه، وسافر لطلب المال؛ لكن الرحلة طالت وباءت بالفشل وكان العطاء قليلًا فاغتمّ، ويُذكر أنّهم وجدوه ميتًا وعند رأسه رقعه مكتوبٌ فيها عينيته، وهي القصيدة الوحيدة التي كُتبت خلف تلك المسافات. يقول في حُرقة: استودع الله في بغداد لي قمرًا/ بالكرخ من فلَك الأزرار مطلَعهُ. للمسافةٌ دورٌ في تفاقم الشعور، تجدد الشوق، انتظار الآخر، تقدير لذة الوصول، اللهفة للقادمين، والامتنان لما هو في المتناول بدلا من بُعده، وربّما تضاءلت المسافة حتى قال طلال: “أصدق الأقوال مصدرها العيون”.

حياة على المنحدر

الحالة

لطالما أخذ اليأس ما أخذ، من الناس عموما والشعراء خصوصا، وهذا لا يأتي إلا تناغما مع الحنق على الوجود واللحظة، من الدنيا ومن فيها. وهذه الطبيعة ممزوجة بهذه النفس التي تلهث كثيرا وراء أشياء لطالما نُصحت منها، وكان خيرا لها لو أعرضت عنها. وكلما توغل الإنسان في الناس عموما وأحدهم خصوصا؛ لاقى ذاك المصير الذي قد يحبطه عن كثير من هذه الحياة، وأعني لحظة الغضب من الآخر والتنغيض، لتُصاب لاحقا بهذا البؤس واليأس من هذه الحياة العظيمة المليئة بالتنوع الذي لا يُحصى، وكل ذلك بسبب أحدهم أو شيئا في هذه النفس.

وقد يئس المتنبي من كافور الأخشيدي، حاكم مصر آنذاك، بعدما حبسه خوفا من هجاء الأول، لكن أبا محسّد لاذ بالفرار بعيدًا جدًا، ليس في أطراف المدينة، بل في كبد الصحراء، وحيدا في عيد الأضحى، وأنشد قصيدته الرنانة والتي يُستشهد بها في كل عيد على لسان الذي لم يجدوا ما يسرّهم. لكن المتنبي كان يائسا من عدم حصوله على ما في نفسه من حاكم مصر، فقال في مطلعها: عيدٌ بأية حالٍ عدتَ يا عيدُ/ بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ. والشاعر لم يقف بيأسه هنا فقط، بل قال أيضًا: أصخرةٌ أنا مالي لا تحركني/ هذي المُدام ولا هذي الأغاريدُ. من شدة هذا البؤس، وما يشغل القلب والعقل، لم تحرك المُدام – الخمر – شيئا فيه، وهذا والله ما يحدث لهذه النفوس ولنا، لا شيء يدعو للبهجة كلما اسودّت هذه الدنيا ومن فيها، أو أُغلقت الطُرق بعد أملنا في عدم وجود عوائق أخرى.

وهذا البؤس، ما هو إلا نتيجة لانعكاسات الحياة وما فيها، وكما ذكر فيودر دوستايفسكي في كتابه (ذكريات من منزل الأموات) عن أسباب الجريمة لأولئك السجناء؛ ذكر أنّ الوضع النفسي المعكوس اجتماعيا هو السبب، فالبؤس قرين الفقر والعوز، ونتيجة الحياة الرديئة التي تكون لبنةً في الطبقة الأقل مجتمعيا بسبب فقرهم، وربما تكون في طبقات أخرى بسبب عوامل الحياة، والكثرة من كل شيء عدا الطمأنينة. إذًا البؤس ليس سوى نتيجة لإشكالية عائلية، مجتمعية، أو نفسية كان لها الأثر على كل ما هو لاحق.

وكان لأبو العلاء نظرة في كيفية تجاوز هذا البؤس الذي قد تخلّفه الحياة مع الصديق، يدعو إلى التمسك بالصداقة وإن خالطها ذلك البؤس. إذا صاحبت في أيام بؤس/ فلا تنس المودة في الرخاء. وإن أسقطنا هذا على اللحظة التي يمر فيها ما يمر؛ ربما يهوّن ذلك موضوع التوقف عند البؤس واجتراره طويلا، وعدم مراعاة أنّ اللحظة يعقبها أخرى.

ربما يهوّن الشخص البائس وصاحب هذا الشأن على نفسه بتذكّر أنّ “من سرّه زمنٌ ساءته أزمانُ”. وربما التفكر في بؤس الآخرين يعطي تلك النتيجة التي تساعد على تجاوز هذه الحالة، بيد أنّ السابقين كانت وقودًا لهم، لكتابة الشَّعر، ولإبقاء شيئا منهم على شكل كلمات، وهذا جانب إيجابي في التعاطي مع هذا الشعور الذي قد يكون ولّادا عند البعض، وفاتكا عند الآخرين.

بعد أن بئس المتنبي من سيف الدولة عندما تخلى عنه، ولم يقتص له بعد أن اعتدى عليه ابن خالويه. أنشد في قمة بؤسه واغترابه قائلا: بم التعلل لا مالٌ ولا وطنٌ/ ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ. قمة اليأس هنا لدى أبو محسّد، يقول بأي من الأشياء نطيب أنفسنا بالأمل والراحة والمؤانسة (التعلل). لا مال هناك، ولا وطن له، مرّت حياته بالكثير من التنقلات، ما بين العراق وسوريا ومصر، ولا شيء في الحاضر أو في خاطره من الباقيات. في حنايا كل ذلك البؤس والاغتراب الروحي والجسدي له يقول: لا تلق دهرك إلا غير مكترثٍ/ ما دام يصحبُ فيه روحك البدنُ. وبدأ يقتنع بأنّ كل ما فات، لن يعود. فما يديمُ سرورٌ ما سررت به/ ولا يردّ عليك الفائت الحزَنُ

غير مرئي

الحالة

كل هذه الكلمات كانت في الصدر الذي لم يعد يخشى الانفراد بنفسه، ولم تعد تخاف النفس ما يسمى بالخواء الذي يطمس الحاجة للكلام والصراخ، وربما الزئير بكل هذه الكلمات التي بنَت سدّا في الصدور. ثمة مخرج من كل هذا، وهناك وجهة في نهاية كل درب، أكانت لك أم للطريق ذاته. وهل يُرى كل هذا، ومن في هذا الصراع، وإلى متى سيستمر هذا العناء؟ وما الدرب الذي لا نُسحق فيه ولا نعاني؟ كم هو مؤسف أن تغرب دون أن تكون مرئيا، محسوسا، أو حتى يُشعر بك. “وما زال الدرب دربٌ لنمشي ونمشي، إلى أين تأخذني الأسئلة”. سنعود مرة أخرى بعد أن يتجدد كلما فينا، بعد أن تخضرّ أوراقنا ويشتدّ عودنا. نحن الذين كنا ثمرة الإقصاء، ونتيجة كل الاحتمالات والظنون الخاطئة عنّا.

الكل في انتظار الخلاص، ويا للطريق الذي طال على الجميع. لكن الخلاص قد يأتي للبعض وقد يوهم الآخرين حتى النهاية. في مسرحية (انتظار غودو) للمسرحي والناقد صامويل بيكيت. لا زمان ولا مكان لاثنان ينتظران الطريق أو الخلاص. حياة تزخر باللامعنى لهذين الاثنين، لا شخصيات ولا دول تُظهر من أين هم، ينتظران غودو الذي يتمثّل في الخلاص لهما كما هو الحال للآخرين. تمر المسرحية والأحداث القليلة فيها وتنتهي وغودو المخلّص لم يأتي. مسرح عدمي مليء بالمجهول، قد تبدو كذلك الحياة التي عقبت الحرب العالمية الثانية والتي كُتبت هذه الرواية بعد إنتهائها بثلاثة أعوام. أرواحٌ كانت خاوية، لا درب لها ولا حتى حكاية سوى الذكرى التي حلّفتها الحرب والتي تسببت في إلحاد الكثير وإيمانهم بأن يعود العالم كما كان من جديد.

الدرب، الطريق، المسار في هذه الحياة، إذا لم تكن باختيار المرء؛ فليكن جاهزًا للقولبة الاجتماعية التي قد تجعل الدرب شبيها بالمضمار. في رواية الطريق لنجيب محفوظ الرائع والعبقري والمليء بالرمزية في أعماله. رواية وإن كان مضمونها عن صابر وأمه وما بعدها، إلّا أنّ المغزى من هذه الحياة التي لم تكن سوى قوالب له، ليس ظاهرًا ولا واضحا؛ لأنه لا درب يسلكه، ولا طريق قد وضع فيه قرارته. بل كان كحجر شطرنج في لعبة لا تطول. في خضمّ هذا الدرب الذي تسقط فيه أكثر من نهوضك، لا أحد هناك، ولا حياة بلا درب، ولا زمن بلا أحداث. وكما يقول محمود درويش: “لا أحدٌ يحملق في حضورك أو غيابك”. إذًا أنت غير مرئي حتى في عالم الأحياء”.

لكن، ما فائدة هذه القراءات والبحث الدؤوب، والتأملات في الذين كانت لهم دروب، والذين لم يجدوها! وما السر خلف وقوع المعضلات في منتصف الرحلة، وما العبرة من مشاهدة الغروب، وما رأي البعض عن القوم الذين قالوا بأنّ تأمله عبادة، وما الفرق بين الطريق المعنوي والمادي في صعوبته؟ ما قيمة الحياة التي لا درب فيها سوى ما يشابه دروب الآخرين المعروفة، والتي لا تخلو من أعراف وتقاليد مكررة ومُعادة؟ وإن كانت مريحة، أو مُبتغى، فهل هذا فعلا كل شيء، وهل هذا هو الذي كانت له كل الجراح والنصَب.

يتفوق المعنوي على كل ما هو مادي. حتى وإن تأخر الدرب أو علاماته، لابد أن يظهر لأولئك الذين آمنوا بأنفسهم دون الحاجة لمؤمنين ودون الخوف من فقدان طريق أو تلاشي رحلة في البدايات، أولئك المُعدمون وغير المرئيين والذين لا أحد يدركهم. لن يُنقذوا إلا بهذا الإيمان في صدورهم، ودور الطريق لهؤلاء، أن يرضخ لهم وإن كانت كل العوائق فيه.

أن أكون غير مرئي ومتأخرا، لهو أهون من أعيش السائد أو أجاري حياة روبورتات لا تملك إلا عدة خيارات وعدة كلمات، وإن ظنت أنها تجاوزت الإطارات. لكنها في الحقيقة لا تعيش إلا في حدود معقولة، كذلك الذي يعيش في هذه المجرة ويؤمن بكل شيء ويقبله، لكنه لا يؤمن بوجود مخلوقات أخرى، هذا ما زال في الإطار الذي تربّى فيه. لا أريد أن اختلف بمعنى التمرد أو التمييز أو حتى التفرّد؛ للفت النظر. بل أريد تلك الحياة التي لا حافة إلا وأضع قدمي عليها، ولا سحابة إلا وأتبعها، ولا أرض إلا افترشها، رغبةً في الدرب الذي ابحث فيه عن الانعتاق. أن أشاهد الغروب ولا أقف، بل أبحر خلفه، وخلف مرقد الشمس. يكفي هذا التماهي والمجاراة، وتكفي تلك الحياة التي وإن كنت تظن أنّها عظيمة، بيد أنّك تدرك ماهية الواقع من كل الزوايا. هل أنت في دربٍ من اختيارك فعلا.

الغروب ليس ظاهرة كونية، بل نفسية أيضًا، وربما يصادف أن يشبه هذه الحياة ورحلتها. ما بين الشروق والغروب.

الجزء المفقود من الحكاية

الحالة

ما الذي يدفع هذا الإنسان ليفعل ما يفعل، خصوصا تلك التي يفعلها اعتراضا؟ وماذا وجد الإنسان في السير على ذات النهج الذي تركه ما قبله وربما ما زال عليه من حوله؟ وماذا يا ترى يُغني عن كل الصمت الذي لا لغة تساعده، ولا إيماءات تنقذه؟ “ومن أنا لأقول لكم ما أقولُ لكم” مثلما قال محمود درويش. الصورة لا تغني عن الجوهر، والتساؤل لا يأتي بقيمة السؤال، والحكاية أو الحكايات، لم تكن يومًا كاملة سوى ما أتى من مصدرٍ موثوق لا تطاله يد الناس.

قرأت هذا الأسبوع رواية للشيخ الكبير والأديب الروسي ليو تولستوي، الذي يتقدّم على فيودر دوستيويفسكي بالحكمة التي لا تظهر على محيّاه فقط، بل حتى في أعماله. لا أريد أن أسهب أكثر في العمل، لأن شرحي لا يجعل للرواية صدى أو حظًا أكبر؛ بل يقلّل منها. في ثنايا أي عمل روائي هناك ما يشبه شطر القصيدة، لبّها، والحدث المفصلي فيها. تولستوي لم يكن يحتقر الحياة العادية، بل تلك الزائفة. كم هو مؤسف أن يعيش الناس هذا الزيف طول حياتهم، غير آبهين بالحقيقة عندما ينكشف هذا كله. وكم هو مؤسف أن تعيش حياةً لا شيء فيها واضح إلا عقب خوض أصعب المراحل، وكأنّ الثمرة لا تُجنى إلا بعد أن تتعب وتتهالك، وتُستنزف في تلك الدروب حتى تصل أو تظهر لك الحقيقة.

العابرين، الماكثين على أرصفة الطرقات والمتأملين، الذين وصلت أو أصواتهم، أو حتى صرخاتهن، الأسلاف، التاريخ، حكايا كبار السن، كتاب أيام العرب، حرب داحس والغبراء، ليلى والذئب، ما خلف القسَم، تنهيدة الطفل، دمعة الشيخ، والصمت الذي لا لغة ولا إيماءة توضّح كُنه. كل ذلك وأكثر يمتلك الجزء المفقود الذي لم يُلتقط من كل حكاية. حكايات لا نسمع منها سوى سكرات، وبعضها لا نلحق إلا على الوداع، والغالب ليس لنا منها سوى التواتر. الجزء المفقود من حكاية إيفان ايليتش التي لا يختلف عليها اثنان أنّها تلائم حياة الشيخ تولستوي، تلك الحياة التي لا تختلف عن مكانة وقيمة الطبقة البورجوازية، لكن الجزء المفقود هنا، أنّ ذلك كان زيفًا، في العمل وفي حياة ليو. جزءًا مفقودًا لم نره.

لا أحد يصل لهذا الجزء من الحكاية سوى صاحبها. هناك فقرة لم تروى في الحكاية لرغبة صاحبها أو دون ذلك، أيضًا لحظة لم تشارك مع الجميع، لذة نأى بها صاحبها عن الأعين، فرحة مخبأة رغبةً في تجنب المترصدين، انتظار فاق احتمالات المنتظرين، أملا يضيء، يتوقّد، يترقّب، لكنه لا يحترق